رواية عالم صُوفِي

إن رواية عالم صوفي من أجمل الروايات التي قرأتها وغالبا ما أنصح بها أصدقائي وصديقاتي، وهي رواية فريدة لأن جاستين غاردر، وهو كاتب نرويجي وأستاذ فلسفة، تمكن من الجمع بين كتاب لدراسة الفلسفة ورواية مشوقة ذات حبكة جميلة، وكأنك تقرأ مزيجا من حكمة الغرب لبرتراند راسل وأليس في بلاد العجائب بين دفتي كتاب واحد، وهذا المزج الجميل بين عالم أليس السّريالي وتاريخ الفلسفة هو الذي جعل الرواية واحدة من أكثر الكتب مبيعًا في أوربا وقد ترجمت أيضا لأكثر من 50 لغة مما أكسبها شهرة عالمية، إن رواية عالم صوفي تلقي بك في دوامة فكرية منذ صفحاتها الأولى، حيث تتلقى صوفي، وهي طفلة تبلغ من العمر خمسة عشر سنة، قلت تتلقى بطاقة لا تحمل اسم المرسل وكل ما فيها سؤال يتيم: مَن أنْتِ؟

قد يبدو لك سؤالا ساذجا، ولكن سرعان ما ستتعلم مع صوفي أن لا تستخف بأي سؤال، وتتريث وتتعمق بالبحث وتغير طرق تفكيرك، فدون أن تشعر ستشارك صوفي في رحلة البحث عن أجوبة للسؤال؟ وتتساءل من أنا ياترى؟ هل أنا مخلوق مميز خلقني إله عظيم؟ أم أنني مجرد كائن حي ناتج عن عملية انتقاء خاضعة لقوانين التطور؟ ومن يدري قد لا أكون هذا ولا ذاك قد أكون مجرد برنامج في حاسوب عملاق !

عالم صوفي

وهكذا ومنذ الصفحة الأولى تتماهى مع البطلة في رحلة مشوقة للبحث عن أجوبة للأسئلة الفلسفية الكبرى، فالكاتب يسافر بنا عبر الزمن لنعود إلى بلاد أثينا مهد الفلسفة اليونانية أو ذاك ما يعتقده الكاتب لأنني شخصيا أرى أن الفلسفة لازمت الإنسان منذ أصبح قادرًا على التفكير، لكنه تأثير المركزية الغربية التي تأبى الاعتراف بجميل الحضارات الشرقية عليها وربما هذا التأثير نفسه هو الذي جعل الكاتب ينسى أو يتناسى الإشارة إلى الفلسفة الإسلامية رغم أهميتها، المهم وحتى لا نبتعد عن موضوعنا قلت أن الكاتب يعود بنا إلى الماضي لنواكب تطور الفكر الفلسفي الغربي ويدعونا لمقابلة شهيد الفلسفة سقراط وتلميذه أفلاطون والمعلم الأول أرسطو حتى نصل إلى عصرنا الحالي مع علماء الذرة والإنفجار الكبير، مرورا بمفكرين وفلاسفة كبار كالقديس أوغسطين، ديكارت، فرويد، داروين وغيرهم ... إنه يعرض تاريخ الفكر الفلسفي باسلوب سلس لا يشعرك بثقل الأفكار التي يقدمها، حتى أن دروس الفلسفة تصلك قِطعًا صغيرة غير عسيرة الهضم كما يقول الكاتب نفسه في إحدى الرسائل التي تصل صوفي، فكما قلت الكاتب يخلصك من تعقيد المصطلحات الفلسفية التي قد تكون سببا في نفور الكثيرين من الفلسفة، بل إنه يقدم أمثلة واضحة مستوحاة من الواقع، تسهل فهم الأفكار الفلسفية التي يعرض لها، ربما لأنه أستاذ فلسفة ويعي جيدًا الصعوبات التي تواجه كل من يلج عالم الفلسفة، ومما يزيد الأمر جمالا هو أن كل ذلك، كل تلك الأفكار والمدارس الفلسفية مقدمة في قالب روائي ممتع، فالرواية ليست مجرد عرض جاف وممل لأحداث تاريخية، بل إن غاردر يقدم تاريخ الفلسفة بأسلوب غير مسبوق، فلو خيروني بين "قصة الفلسفة" لويل ديورانت كمدخل للفلسفة الغربية و"عالم صوفي" لاخترت عالم صوفي، ذلك أن قارئ الرواية يتماهي مع صوفي في سعيها لحل المعضلات التي تعترضها، وسيظل السؤال "من أنا" يرافق صوفي خلال الرواية بأسرها، وستحاول أنت أيضا أن تعرف من تكون صوفي؟ وما سر تل الرسائل التي تصل صوفي والموجه لهيلد، هليد مولر كناغ، ومن تكون هيلد هذه؟ وغيرها من الأسئلة الكثير بعضها مرتبط بأفكار فلسفية وبعضها الآخر مرتبط بأحداث الرواية، وفي كل مرة يسأل فيها ألبرتو "هل أنت معي يا صوفي" ستجيب بالإيجاب وتؤكد متابعتك وتقدم أجوبتك الخاصة للأسئلة التي يقترحها ألبرتو، تلك الشخصية الغريبة التي تدرس صوفي، قد لا تشعر بجمال الحبكة في بداية الرواية (خصوصا الصفحات الخمسون أو الستون الأولى)، لكن بعد ذلك ستتسارع الأحداث وتتضح فكرة الكاتب، وقد تشعر أحيانا بالضياع ولا تدري إلى أين تمضي الاحداث لكن سرعان ما يصبح كل شيء منطقيا، المهم وحتى لا أطيل أختم بهذا الإقتباس الجميل من الرواية وفيه يقول الكاتب: "إن الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح المرء فيلسوفا جيدًا هي قدرته على الدهشة"، ولهذا اختار الكاتب صوفي لأن الأطفال هم أكثرنا قدرة على الدهشة وأكثرنا قدرة على طرح الأسئلة وبالتالي أكثرنا قدرة على التفلسف، وهذا هو أحد أهداف الرواية، فهي تريد منا أن نحرر الأطفال فينا ونتخلص من الشخص العجوز المرتاح لبساطة الواقع والغارق في رتابة الحياة اليومية، فأضف الرواية إلى قائمة الكتب التي ستقرؤها، ولا تضيع على نفسك رواية فريدة، ستغير من نظرتك للكثير من الأشياء وستجعلك تود أن تصير طفلا من جديد، طفلا يحب طرح الأسئلة ويستمتع بها.


أنصح بشدة بتحميل رواية عالم صوفي لأنها مدخل جميل لعالم الفلسفة !







شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

2 التعليقات

التعليقات
18 مارس، 2017 8:00 ص حذف

اتفق في كل حرف كتب، رواية مازلت اقرأها مراراً واستمتع
انجذبت للفلسفة من خلالها، شكرا للمقال الرائع وصفتها كما يجب.

تحياتي لك

رد
avatar
6 يونيو، 2017 7:33 ص حذف

شكرا على مرورك الطيب صديقي :)
فعلا رواية جميلَة جدًا، ومقدمة رائعة لكل من يرغب في ولوج هذا العالم الشيق والممتع ..

رد
avatar

أترك تعليقا