أرسطو وفلسفته


سنتعرف في هذا المقال على أحد أعظم الفلاسفة عبر التاريخ، أرسطو المعروف بالمعلم الأول وذلك من خلال التعرف على:

  1. ترجمَته.
  2. تصنيف العلوم عند أرسطو.
  3. نظرية المعرفة عند أرسطو.
  4. الأخلاق عند أرسطو
  5. نظرية أرسطو في السياسة.
  6. إله أرسطو.
  7. نظرية العلل الأربعة.

ترجمته

أرسطو
ولد أرسطو في أسطاغيرا في تشالسيدس بشمال اليونان. كان والده طبيبا طبيب بلاط الملك أمينتاس المقدوني ومن هنا جاء ارتباطه الشديد ببلاط مقدونيا. حين بلغ السابعة عشرة من عمره ذهب إلى أثينا لتلقي العلم على يد أفلاطون، وقد ظل في الأكاديمية ما يقرب من عشرين عاما، إلى أن توفي أفلاطون. حين خلف سبسيبوس أفلاطون رئيسا للأكاديمية، غادر أرسطو أثينا، حيث عاش لفترة في أسوس بميتالين، ثم استضافه فيليب للعودة إلى أثينا لتعليم الإسكندر. عاد أرسطو إلى أثينا عام 335، وكان بلغ من العمر تسعة وأربعين عَامًا، وأسس مدرسته الفلسفية الخاصة. عمل هناك لمدة أثني عشر عاما إلى أن توفي الإسكندر عام 323. آنذاك قام الأثينيون باتهامه رسميا بالفسوق. هرب أرسطو خوفا على حياته إلى خاليس، غير أنه مات هناك في العام التالي بعد أن بلغ اثنين وستين عاما. تزوج مرتين، وكان له ولد، نيكوماخوس، من زوجته الثانية.

تغطي اهتمامات أرسطو منطقة رحبة. لقد قام بدراسات أساسية في المنطق، علم الأخلاق، والميتافيزيقا، لكنه كتب أيضا في نظرية المعرفة، الفيزياء، البيولوجيا، الأرصاد، السياسة ... يصعب تتبع تطور أرسطو الفلسفي تاريخيا. من المرجح أنه عمل في مجالات مختلفة بشكل متزامن، وأنه لم يكن يرى دائما بوضوح كيف يناسب فكره في المنطق أو فلسفة العلم. فضلا عن ذلك فإن كثيرا من أعماله الباقية أشبه ما تكون بمفكرة ملاحظات على أعمال ظلت في طور التشكل أو أقرب إلى ملاحظات للنقاش منها إلى الكتب المكتملة الجاهزة للطبع. كتاباته تعكس نشاط التفكير نفسه، فهي لا تعج بالتكلفات الخطابية والأسلوبية.

تصنيف العلوم عند أرسطو

يقسم شراح أرسطو العلوم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: العلوم النظرية والعلوم العملية والعلوم الفنية أو الشعرية.
أولا، العلوم النظرية، وهي العلوم التي تكون غايتها طلب المعرفة للمعرفة. وهي تتناول الوجود من ثلاث جهات:
1- من حيث هو وجود بإطلاق، وهذا هو علم ما بعد الطبيعة، العلم الأعلى أو الفلسفة الأولى كما سماه أرسطو.
2- ومن حيث هو مقدار وعدد، وهذا هو العلم الرياضي، ويقال له أيضا العلم الأوسط. وقد اشتهر من فروعه من القدم: الحساب والهندسة والفلك والموسيقى.
3- ومن حيث هو متحرك ومحسوس، وهذا هو العلم الطبيعي أو العلم الأدنى. وهو يشتمل على علم الطبيعة والآثار العلوية والكون والفساد وعلم النبات ..
ثانيا، العلوم العملية، وغايتها تدبير أفعال الإنسان بما هو إنسان. وينقسم بدوره إلى ثلاثة اقسام:
1- الأخلاق وموضوعها أفعال الإنسان كفرد.
2- تدبير المنزل وموضوعه أفعال الإنسان في الأسرة.
3- السياسة وموضوعها أفعال الإنسان في داخل الجماعة.
ثالثا، العلوم الشعرية، وغايتها تدبير أقوال الإنسان، وهي : الشعر، الخطابة، الجدل (الذي يهدف إلى الإقناع).
وأشرف هذه العلوم جميعا إنما هي العلوم النظرية لأنها كمال العقل، والعقل أسمى قوى الإنسان. وأشرف العلوم النظرية هو علم ما بعد الطبيعة لسمو موضوعه وبعده عن التغير.

"أرسطو هو أمير الفلاسفة، ذاك الذي رقي – بعد الأنبياء – إلى أعلى درجات الحكمة البشرية" – موسى بن ميمون.

نظرية المعرفة عند أرسطو

يميز أرسطو في نظرية المعرفة - كما فعل أستاذه أفلاطون – بين الظن واليقين. فالمعرفة التي مصدرها الحس إنما هي ظن فحسب، أما تلك المعرفة التي ترقى لمرتبة اليقين فهي المعرفة الحقيقية، والمعرفة لا تكون يقينية إلا إذا كانت مترتبة بشكل ضروري عن مقدمات تكون هي الأخرى قد بلغت مرتبة اليقين، وهي نفسها تحتاج إلى أن تكون مستخلصة من مقدمات بلغت مرتبة اليقين وهكذا دواليك حتى نصل إلى ما يسميه أرسطو بالمبادئ الأولى. وهي مبادئ واضحة بينة بذاتها تعرف بالحدس أو الأدراك المباشر.

هذا ويرى أرسطو أن مبدأ المعرفة وأصلها هو الاحساس المباشر بشيء حاضر في الحال يوصف بأنه جزئي، أي أن المعرفة عنده تبدأ دائمًا من التجربة الحسية المباشرة. فالتجربة هي مصدر كل معرفة. وهذه التجربة توفر لنا معلومات مفككة يتدخل العقل لتنظيمها والربط بينها، واستخلاص ما يمكن استخلاصه منها، باتباع قواعد معينة لابد من معرفتها ولا يمكن الوقوف عليها إلا بدراسة المنطق.

ولابد من الإشارة إلى أن أرسطو لا يقول بأفكار سابقة على التجربة، بل إنه لينكر حتى الأفكار الفطرية التي قال بها ديكارت فيما بعد.، ومع ذلك فقد كان مضطرا إلى القول بمبادئ أولة وإلا تسلسلت المعرفة إلى غير نهاية. فالذهن ليس صفحة بيضاء بكل معنى الكلمة، ففيه استعداد ما للمعرفة يرتبط بطبيعة الذهن نفسها، ويظهر هذا الاستعداد في صورة البديهيات الأولى.

الأخلاق عن أرسطو


هناك تصوران للأخلاق قديم وحديث. المقصود بالتصور القديم هو الأخلاق عند اليونان، وهو مطبوع بطابع السعادة، أي أن أخلاق اليونان إنما هي أخلاق السعادة. وأما التصور الحديث، الأخلاق بعد كانط، فهو مطبوع بطابع الواجب. فعلى حين أن قاعدة السلوك عند كانط تقول: "إفعل هذا لأنه واجب"، فإن أخلاق اليونان تقول: "إفعل هذا لأنه يؤدي إلى سعادتك". فالبحث عن السعادة عند اليونان هو المطلب الأسمى للإنسان وخيره الأعلى وغايته القصوى. ويعد أرسطو من أوضح الممثلين للأخلاق اليونانية من هذه الناحية، فالفضيلة واللذة والنجاح والسعادة والخير الأسمى ألفاظ مترادفة لها دلالة واحدة عنده، فكلها إنما تطلب لذاتها وليست وسيلة لشيء آخر يعلو عليها، وهذا من أهم شرائط السعادة بالمعنى الأرسطي. وقد وقف أرسطو كتابه "الأخلاق إلى نيقوماخوس" لمعالجة هذه المسألة.

ما هي السعادة؟ لا يمكن إدراك طبيعة السعادة بدون إدراك طبيعة النفس وقواها، إذ السعادة لا تعدو أن تكون حالا من أحوال النفس البشرية. وقوى النفس عند أرسطو ثلاث وهي: النفس الغاذية (أو النفس النباتية)، النفس الحاسة (أو الحيوانية)، النفس العاقلة وهي ما لا نجده إلأ عند الإنسان. وسعادة الإنسان لا تكون بالحياة الغاذية لأنها مشتركة بين النبات والحيوان والإنسان وبالتالي لا تعبر عن الميزة التي ينفرد بها الإنسان دون سائر الموجودات، وكذلك ليست السعادة بمزاولة الحاسة لأنها تعبر عن الحيوان والإنسان معًا. وهكذا لا يبقى إلا أن تكون السعادَة بمزاولة ما يمتاز به الإنسان عن سائر الموجودات، أي بالحياة العقلية. حيث أن كل كائن لا يبلغ غايته ولا يحقق سعادته وخيره الأقصى إلا بأدائه لوظيفته الخاصة به على أحسن وجه. وهكذا فالسعادة تكون بعمل النفس بحسب فضيلتها أو وظيفتها الخاصة، وهذا العمل بحسب فضيلتها مصدر لذة حقيقية لأن فيه خيرها، وبذلك يوحد أرسطو بين اللذة والسعادة، غير أنه يعطي للذة معنى غير المعنى المألوف، فاللذة عنده لها معنى روحي يجعلها قريبة جدا من الخير الأفلاطوني. إنها لذة نظرية مجردة لا صلة لها في الواقع باللذة الحسية التي تتبادر إلى الأذهان. فهي ما يعقب تحقيق الفعل المطابق للفضيلة من غبطة وارتياح، إن السعادة تكمن في الحياة النظرية، حياة التأمل والفكر، لأنه تحقيق لأعلى درجة من درجات الكمال.

ويعترف أرسطو بضرورة تحقيق النجاح المادي في الحياة لحصول السعادة وتحقيق الخير والفضيلة. فالإنسان لا يمكن أن يكون تام السعادَة وهو فقير أو مريض أو عقيم لا ذرية له. ولكن هذه الأمور وليدة الصدفة والاتفاق ولكن مع ذلك وحتى يتفادى أرسطو القول بأن المجهود الشخصي لا دخل له في السعادة، يؤكد أن الإنسان قد يحيا حياة مليئة بالآلام، ولكن هذه الآلام نفسها تحقق له أكبر قسط من السعادة. فالرجل الفاضل أسعد من الشرير مهما نزل به من كوارث، لأنه يتقبل الصدمات و المصائب بقلب ثابت وعزيمة صادقة.

والفضائل عند أرسطو نوعان فضائل عقلية، وفضائل أخلاقية. تتجلى الأولى في العلم والحكمة والفن بنوعيها النظري والعملي ... وهي تكتسب بالتعلم وتنمو بنموه. لذلك فهي تحتاج وقتا طويلا وخبرة عظيمة والحكمة النظرية هي أم الفضائل لأنها الفضيلة الوحيدة التي يشارك الإنسان بها الله. فالله عقل وتأمل وتفكير ولذلك فهو سعيد سعادة مطلقة. وقد يتاح للإنسان بلوغ هذه السعادة لكن في لحظات نادرة. وهكذا يقرر أرسطو عظمة التأمل وسموه على سائر الفضائل ويؤكد أن الفيلسوف يحيا حياة الآلهة إذا قام مثلهم بتأمل الموضوعات الأزلية، أي الأفلاك في دورانها المنتظم.


الأخلاق عند أرسطو
والفضائل الأخلاقية هي الشجاعة والعفة والكرم ... وهذه الفضائل إنما تكتسب بالتعود والإرادة الواعية. وما غاية التربية وواضعي الشرائع إلا غرس هذه الفضائل في النفوس وتنشئة الناس عليها. ويرتبط مفهوم الفضيلة عند أرسطو بمفهوم الوسط العدل بين رذيلتين إحداهما إفراط والأخرى تفريط. فالشجاعة مثلا مثلا وسط بين الجبن والتهور، والعفة وسط بين المجون والمجون، فخير الأمور أواسطها. وهكذا يعرف أرسطو الفضيلة بأنها ملكة خلقية إرادية تجعل صاحبها قادرا على تخطي الإفراط والتفريط واختيار الوسط بينهما، بناء على مبدأ عقلي سديد.

ويجب أن نحترز من الاعتقاد بأن لجميع الأفعال والانفعالات أوساطًا، لأنه منها ما لا وسط له. فمن الإنفعالات (كالحسد، الغيرة والغيظ) ومن الأفعال (كالسرقة، القتل و الزنا) ما يدل مجرد ذكر اسمه على أنه شر. فهي رذائل بالذات لا بحكم الإفراط أو التفريط. كما أن من الفضائل ما لا يمكن تحديد طرفيها المرذولين: فالصدق مثلا ليس سوى ضد الكذب. ولئن كانت الفضيلة وسطا بين رذيلتين إلا أنها في ذاتها ليست نقصا في الكمال بل لها قيمة مطلقة هي في غاية الشرف والكمال.

نظريته في السياسية

يبدَأ كتاب "السياسة" بعلم تدبير المنزل. فيفند الزعم القائل بأن الفرد هو نواة المجتمع. فنواة المجتمع إنما هي الأسرة لا الفرد، لأن الفرد حيوان مدني بالطبع، أي لا يمكن أن يعيش منعزلا عن الآخرين، بل لابد أن يوجد في جماعة. والأسرة هي نواة الجماعة وهي نواة تكفي نفسها مؤقتا لتأمين حاجاتها اليومية. فإذا أرادت أن تحقق حاجات أخرى فوق الحاجات اليومية ارتبطت بأسر أخرى فحصلت القرية. فإذا تشعبت حاجات القرية فتطلعت إلى قرى أخرى غيرها تتبادل معها المنافع والمصالح نشأت الدولة، أو كما تسمى "دولة المدينة" (polis). فدولة المدينة تشمل سائر المجتمعات وتفي بأوسع حاجات الإنسان، وهي مجتمع طبيعي بكل معنى الكلمة. ولئن كانت الدولة لاحقة للأسرة في الزمن، إلا أنها سابقة عليها من جهة الحقيقة والقيمة، لأن الكل سابق على أجزائه من حيث هو غاية. فالدولة هي الغاية وبالتالي فهي متقدمة على الأسرة في الشرف والرتبة.

وتتألف الأسرة من الرجل والمرأة والأولاد والعبيد. الرجل رأس الأسرة وسيدها وإليه تعود أمورها، لأنه يتميز بالعقل والحصافة وجودة الرأي. وأما المرأة فدونه عقلا، ووظيفتها العناية بالأولاد والمنزل. ويرجع إلى العبيد تحصيل الثروة وتأمين الحاجات الضرورية لقوام الأسرة، فهم أدوات حية وآلات للحياة والإنتاج، يقومون بالأعمال التي لا تليق بالمواطنين الإغريق الأحرار. فالناس مقامات ودرجات وعلى الأعلى أن يسيطر على الأدنى كما على الأدنى أن يخضع للأعلى ويُطيعه. ومع ذلك فأرسطو يوصي السيد بأن لا يسيء معاملة عبيده وأن يحسن معاشرتهم ويهبهم الأمل في الحرية (بل إن أرسطو عندما حضره الموت أوصى بعتق عبيده جميعا)، كما يرى أن ابن العبد لا يكون عبدا بالوراثة والطبع.

ويختلف أرسطو عن أفلاطون في تقدير قيمة الفرد وصلته بالدولة. فبينما كان أفلاطون يجرد الفرد من قيمته ليجعل منه أداة مسخرة لخدمَة الدولة، إذا بأرسطو يعيد للفرد فرديته ويمنحه الكثير من الاستقلال والحرية لينعم في ظل الدولة وحمايتها بحياة خصبة واعية معطاء، فهو لا يذيب الفرد في الدولة كما فعل أفلاطون عندما أنكر على الحكام مثلا حق الملكية والزواج وفرض عليهم شيوعية النساء والأولاد خشية أن يدب الخلاف بينهم، حتى انتهى إلى ضرورة اشتراكهم في كل شيء. وأرسطو يختلف مع أفلاطون لأنه يرى أن الدولة تكمن في الكثرة والتنوع، فليست الملكية الخاصة سببا للاختلاف والشقاق ما دمنا لا نسمح بتركيزها في بعض الأيدي، وإنما هي مدعاة للتنافس بين الأفراد وحافز لكل شخص على العمل وزيادة الإنتاج ( إذن النقاش الدائر بين الإشتراكيين والرأسماليين حول الملكية الفردية نقاش قديم J )، مما يعود على الفرد والمجتمع والدولة بالخير الكثير.
ويختلف أرسطو عن أفلاطون ايضا في أنه لم يضع نظامًا صارما للمدينة الفاضلة، لأنه يرى أن نظام المدينة يختلف باختلاف الزمان والمكان. لكنه قسم أنواع المدن إلى ستة أقسام، ثلاثة منها فاضلة يقابلها ثلاثة أخرى مضادات لها وهي: مدينة الرشاد، وهي حكومة الفرد الفاضل العادل المتفوق بعقله وحكمته. ولكن حكمه لا يطول. فإذا فسد نشأت دولة الطغيان، وهي التي يتولاها حاكم مستبد غاشم.

الثالثة، المدينة الأرستقراطية، هي حكومة الأقلية العاقلة الممتازة بشمائلها الخلقية والروحية. ولكن العقل لا يسود دائما. لذلك فسرعان ما يدب الفساد فتنشأ عنها مدينة اليسار (أو الأوليغارشية)، وهي الحكومة التي يتولى زمام الحكم فيها طبقة الإغنياء والأعيان.

فلسفة أرسطو السياسية
وهناك المدينة الجماعية (أو حكم الشعب)، وهي الحكومة التي تقتصر سلطة الشعب فيها على انتخاب الحكام، فيزاول هؤلاء الحكم بإشراف الشعب ويقدمون له الحساب باستمرار، لكن كثيرا من المخاطر تهدد هذا النظام أهمها أن ينتقل الحكم إلى أيدي الغوغاء فتنشأ مدينة الغوغاء (الديموقراطية)، وهي حكومة العامة تتبع أهواءها المتقلبة الهوجاء وتتولى الحكم بنفسها دون مراعاة لقيم الرجال وأقدارهم.

كما اشرنا فأرسطو لا يفضل هذا النظام أو ذاك، فكل منها له محاسنه ومساوئه تبعا للظروف والأمم، ولكنه يؤكد أن خير الأمور أن نبادر إلى الطبقة الوسطى ونقويها ونزيد في عددها (معتمدًا على نظريته في الأخلاق)، فأحسن الدول نظاماً إنما هي تلك التي تكون الطبقات الوسطى فيها أكثر عددا وأعظم قوة من الأغنياء والفقراء. ويسمي أرسطو هذا النوع من الحكومة "الحكومة الدستورية" [البوليتية] فهي حكومة وسط تمثل جميع الطبقات خير تمثيل يمكن الوصول إليه. ومع ذلك فإن أرسطو لا يلح على هذا النوع من الحكم إلحاح أفلاطون على مدينته الفاضلة. فالحكم الصالح لشعب ما إنما يقرره طبيعة هذا الشعب وأوضاعه الخاصة التي تختلف من شعب إلى آخر. وهكذا فميزة أرسطو على افلاطون إنما هي ميزة الواقع على الأحلام.

إن أرسطو أكثر تجربة من أفلاطون. فقد أطلع على دساتير أمم كثيرة قبله ودرسها واستخرج العبرة منها وكانت له ملاحظات هامة في شأنها. ولكن أفلاطون أخصب خيالا وأمتع تصويرا وأبهى حلة. ففي محاوراته من الجمال والفن ما لا نجد له مثيلا في غيره من نوابغ الفكر والأدب.

إله أرسطُو

كان أفلاطون مضطربا غاية الإضطراب في تصوره للألوهية. فتارة يعبر عن الله بصيغة المفرد، وطورًا يعبر عنه بصيغة الجمع. تارة يوحد بينه وبين مثال الخير وتارة يفصل بينهما. تارة يصرح بما يفهم منه أن الله هو صانع العالم يتكلم عن الصانع (démiurge) كأنه الإله الأعظم، وتارة يذكر ما يفهم منه أن الصانع شخصية أخرى خاضعة لله خضوعًا تامًا مقيّدة في جميع أفعالها بالمثل تقلدهَا وتتخذها نماذج لها في تحقيق مصنوعاتها. ففكرة الألوهية عند أفلاطون فكرة غير واضحَة . ولكن الفكرة قد تبلورت وتحددت مع أرسطو.

يستدل أرسطو على وجود الله من النظر في ظاهرتي الزمان والمكان، فالزمان لا بداية له ولا نهاية، لأن كل آن منه له قبل و بعد، فكلما تصورنا آنا تصورنَا آنًا قبله وآنًا آخر بعده، فالزمان إذن موجود منذ الأزل وإلى الأبد. والزمان مقياس الحركة. فإذا كان الزمان أزليا أبديا فإن الحركة التي تقيسه لابد أن تكون هي ايضا أزلية أبدية. وهذه الحركَة لا تكون علة ذاتها وإلا اجتمع فيها أنها علة ومعلول في آن واحد. وهكذا فلابد أن تكون علة الحركة غيرها وخارجة عنها. ومعلوم أن كل متحرك لابد له من محرك وكل محرك لابد له من محرك وهكذا دواليك. فإما أن يستمر التسلسل إلى غير نهاية، و إما أن يدور على ذاته، و إما أن يتوقف على محرك أول.

فأما التسلسل فهو مستحيل لأن فيه نفيا للحركة وللمحرك أيضا، وأما الدور فهو مستحيل أيضا لأنه يجعل العلة الواحدة علة ومعلولا في آن واحد. فلابد إذن من التوقف عند محرك أول يكون علة جميع الحركة ولا علة له. هذا هو المحرك الأول أو علة العلل أو الله.

والمحرك الأول لا يتحرك، فهو يمد بالحركة كل ما عداه وهو منزه عنها. فلو كان متحركا لافتقر إلى محرك، ولافتقر المحرك إلى محرك، (لأن المتحرك يحتاج إلى محرك يحركه)، فهو لا يتحرك ولا محرك له من الخارج.

ثم إن الحركة هي انتقال من حال إلى حال، فإما انتقال من الحالة الأولى إلى حالة أسوء أو إلى حالة أفضل أو مماثلة لها، وكل ذلك يتنافى مع ما يجب له من الكمال المطلق.

هذَا ويسترسل أرسطو في البرهنة على أن الله مطلق القدرة وأنه أزلي وأبدي، وأنه واحد من كل وجه، بسيط لا تركيب فيه ولا كثرة، وأنه خير محض وأخيرا هو عقل خالص أي شأنه التعقل والتفكير.

وتجدر الإشارة إلى أن أرسطو يرى أن الله لا يتعقل أي شيء كان ولا يفكر في أي موضوع اتفق فهذا لا يليق بالكامل المطلق، فهو لن يتأمل في من هو أدنى مرتبة منه، إنما يليق به أن يتأمل من هو في مرتبة ذاته كمالا ورفعَة. ولما كان المحرك الأول واحدًا لا ندّ له ولا شبيه، فالنتيجة الحتمية لذلك أنه يتأمل ذاته و يفكر فيها وحدها ! فهو سعيد بذاته مبتهج بها، عاكف على التأمل فيها، وتأمله لذاته لا استدلال فيه ولا استنتاج، وإنما هو حدس مباشر يهبه أسمى أنواع السعادَة ويجعله في غبطة دائمة لا يصل إليها البشر إلا في حالات نادرَة.



نظرية العلل الأربعة

يفترض أرسطو وجود علل أربع مسؤولة عن كل تغير أو تطور، أول هذه العلل هيَ العلة المادية، وهي تجيب عن تساؤلنَا ممّ يتكون الشيء. أما العلة الثانية، العلة الصورية، فهي النموذج الذي يتحدده عبره الشيء، فكرة المثال الموجودة في ذهنه عن التمثال مثلا. العلة الفاعلة أو المحركة فهي التي تشير إلى الفاعل: كالمثّال بالنسبة للتمثال. وأخيرا العلة الغائية، فهي الحالة النهائية أو التامة التي خرج من أجلها الشيء من القوة إلى الفعل، وذلك كالصورة النهائية التي يتحول إليها الحجر فيصبح تمثالا. وهذه العلل تتعدد في الشيء الواحد، كما هو موضح في الصورة، وهي تعتبر مبدأ للتغير والحركة و السكون بالنسبة للشيء. ولكن يبدو أن العلة العلة الغائية تعتبر ذات وضع ممتاز بين العلل الأخرى لأنها أسمى مرتبة منها، بحيث تصبح غاية لجميع هذه العلل، وهكذا يرى أرسطو أن "الغائية" مبدأ أساسي في الطبيعة.
العلل الأربعة عند أرسطو



وأختم بهذا السؤال، ما رأيك في هذه المقولة لميشليه: "مازاد العرب والسكولائيون على أن تبنوا أفكار أرسطو، بدون أن يطوروها... وكثيرا ما أساؤوا فهمها بل حرفوها" ؟ هل تتفق مع القائل أم تخالفه الرأي؟







شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

2 التعليقات

التعليقات
18 يونيو، 2017 5:28 ص حذف

شكرا لهذه المقالة الرائعة

رد
avatar
18 يونيو، 2017 1:31 م حذف

شكرا لمرورك الطيب صديقي أحمد

رد
avatar

أترك تعليقا