الفيلسوف الفارابي - المعلم الثاني


هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرّخان ... المعروف بالفارابي، وقد لقب الفارابي بالمعلم الثاني بين فلاسفة الإسلام كما كان أرسطو -المعلم الأول- بين فلاسفة اليونان.
كان الفارابي شديد التدين، ميالا إلى الزهد والتقشف. عاش عيشة بسيطة بعيدة عن التكلف، حتى أنه كان يرتدي زي أهل التصوف. وكان من طبعه اعتزال الناس، والخلوة إلى نفسه، زاهدا بأمور الدنيا، وكان يستأنس لسماع الموسيقى كما كان هو نفسه عازفا مرموقا وترك في هذا الحقل "كتاب الموسيقى الكبير" الذي يشهد بتضلعه في الرياضيات. ويعد هذا الكتاب، بدون شك، أهم ما كتب عن النظريات الموسيقية في العصر الوسيط.
الفارابي

من المواقف المثيرة لدى الفارابي والتي لم تظهر الدراسات بخصوصها إلا في القرون الأخيرة اعتقاده بأن الحكمة إنما عرفت طريقها إلى حيز الوجود عند الكلدانيين في بلاد ما بين النهرين ثم انتقلت من هناك إلى مصر فاليونان حيث تمثلت كتابيا، وقد كان يرى أن من واجبه إعادة الحكمة إلى الأرض التي نشأت فيها. ومن ثم نزعته التوفيقية بين الفلسفة والشريعة.


فضله على فلسفة أرسطو

يروى أن الفارابي قال: " قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودته" وقد كان شديد الاهتمام بأرسطو حتى أنه قال: "لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه". ويعود للفارابي الفضل في ضبط كتب أرسطو وتنقيتها من الشوائب قبل ترجمتها وشرحهَا. وله الفضل أيضا في أن تلاميذه ورفاقه في الدرس وأحبابه هم الذين عملوا على نقل كتب أرسطو إلى العربية. وقد اتبع من جاءوا بعده على سننه واتبعوا نهجه حتى أن كتب أرسطو المنقولة إلى اللغات الأوربية القديمة والحديثة كانت على النسق الذي اختاره الفارابي.

الفارابي والمنطق

عرف الفارابي بنبوغه في المنطق ويرجع الفضل في ذلك إلى طريقة اشتغاله حيث أنه لم يقتصر على تحليل طرق التفكير بل بين علاقة ذلك بالنحو وبحث في نظرية المعرفة. وقال إن النحو قاصر على ضبط لسان العرب، وإن المنطق نحو يضبط سائر الألسن ويصونها عن الزلل.
وقد قسم الفارابي المنطق إلى قسمين: التصور والتصديق، وأدخل في التصور طائفة الأفكار والتعريفات، وفي التصديق الإستدلال والرأي، والتصور لا يتحتم في الصدق أو الكذب. لأنه يرتكز على الأفكار في أبسط أشكالها وعلى الأمور الواضحة بذاتها، أما التصديق فهو يقول على الإستدلال للإنتقال من المعلوم الثابت إلى معرفة المجهولات المشكوك فيها.

بعض ملامح فلسفته الطبيعية

إنشغل الفارابي بمشكلة خلق العالم، واستند في حلها إلى فكرة " الواجب" و"الممكن". فالموجودات عنده نوعان: أحدهما ممكن الوجود وهو الذي لا يحتمل الوجود والعدم ولا ينتج عن عدمه إشكال أو محال ( وكل الأشياء في العالم من قبيل: الإنسان والحيوان والشجر وغيرها التي تظهر بتأثير سلسلة من العلل ثم تنعدم ممكنة الوجود). والثاني هو واجب الوجود وهو موجود وجوبا وضرورة ويستحيل عليه العدم، لأنه موجود بذاته لا بعلة مفارقة. والله هو واجب الوجود. وهو واحد بالضرورة. لكن كيف يصدر العالم المتكثر عن الله الواحد الأحد؟ كيف تصدر الكثرة عن الوحدة؟


جواب الفارابي أن العالم يصدر عن الله على صورة "فيض" ( وقد تعرفنا على نظرية الفيض مع أفلوطين)، والفارابي هو أول من أدخل نظرية الفيض في الفلسفة الإسلامية. فالله يتعقل ذاته فيفيض منه "وجود الثاني" وهذا الثاني "يعقل ذاته ويعقل الأول، وليس ما يعقل من ذاته هو شيء غير ذاته، فيما يعقل من الأول يلزم عند وجود الثالث" وهكذا يستمر فيض العقول بعضها عن بعض فيضا ضروريا حتى نصل إلى الفلك الأدنى وهو فلك القمر. ويلي هذا الفلك العالم السفلي الذي نعيش فيه.

آراءه السياسية

للفارابي رسالة في آراء أهل المدينة الفاضلة ضمنها آراءه في السياسة، ويبدو فيها تأثره واضحا بجمهورية أفلاطون كما أنه يعتمد بنسبة أقل على الأخلاق النيقوماخية لأرسطو. فعنده أن الممسك بمقاليد الدولة يجب أن يكون رئيسًا فيلسوفًا، وهو يخلع عليه جميع الفضائل الي تتوفر للأنبياء وورثتهم. وفيما يلي مقتطف حول خصال رئيس المدينة الفاضلة عند أبو نصر الفارابي :

"فهذا هو الرئيس الذي لا يرأسه أي إنسان آخر أصلا. وهو الإمام وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة، وهو رئيس الأمة الفاضلة، ورئيس المعمورة من الأرض كلها. ولا يمكن أن تصير هذه الحال إلا لمن اجتمعت فيه بالطبع اثنتا عشرة خصلة قد فطر عليها:
أحدها أن يكون تام الأعضاء، قواها مؤاتية أعضاءها على الأعمال التي شأنها أن تكون بها، ومتى هم بعضو ما من أعضاءه عملا يكون به فأتى عليه بسهولة.
ثم أن يكون بالطبع جيد الفهم والتصور لكل ما يقال له، فيلقاه بفهمه على ما يقصده القائل، وعلى حسب الأمر نفسه.
ثم أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ولما يسمعه ولما يدركه، وفي الجملة لا يكاد ينساه.
ثم أن يكون جيد الفطنة، ذكيا، إذا رأى الشيء بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دل عليها الدليل.
ثم أن يكون محبا للتعليم والاستفادة، منقادا له، سهل القبول، لا يؤلمه تعب التعليم، ولا يؤذيه الكد الذي ينال منه.
ثم أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح، متجنبا بالطبع للعب، مبغضا للذات الكائنة عن هذه.
ثم أن يكون محبا للصدق وأهله، مبغضا للكذب وأهله.
ثم أن يكون كبير النفس، محبا للكرامة : تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور، وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها.
ثم أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده.
ثم أن يكون بالطبع محبا للعدل وأهله، ومبغضا للجور والظلم وأهلهما، يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه، ويؤتي من حل به الجور مؤاتيا لكل ما يراه حسنا وجميلا، ثم أن يكون عدلا غير صعب القياد إذا دعي إلى الجور وإلى القبي.
ثم أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل، جسورا عليه، مقداما غير خائف، ولا ضعيف.
واجتماع هذه كلها في إنسان واحد عسر، فلذلك لا يوجد من فطر على هذه الفطرة إلا الواحد بعد الواحد، والأقل من الناس. فإن وجد مثل هذا في المدينة الفاضلة ثم حصلت فيه، بعد أن يكبر، تلك الشرائط الست المذكورة قبل أو الخمس منها دون الأنداد من جهة المتخيلة كان هو الرئيس".
كتاب أهل المدينة الفاضلة، منشورات سراس للنشر، 1994، ص:111-112

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

أترك تعليقا