الفكر السياسي عند ميكيافيلي


حياته

ولد ميكيافيلي في فلورنسا وينحدر من عائلة قديمة في هذه المدينة الإيطلية. شغل أول منصب سياسي له في عام 1494 في Savonarole، بعد قيام سلطة جمهورية كلاسيكية وكان ميكيافلي رجل الثقة في هذا النظام الجديد. أما مهمته فكانت سكرتير (لجنة العشرة من أجل الحرية والسلام)، وهي شكل من أشكال وزارة الداخلية والحرب. خلال أربعة عشر عاما قضاها في خدمَة الجمهورية تم تكليفه بالعديد من المهام الدبلوماسية في فرنسا وروما، أيضا عمل في المسائل العسكرية حيث حصل من حكومة فلورنسا على قرار بإنشاء جيش وطني دائم. شغل ميكيافلي مناصب رسمية هامة ثلاث مرات وذلك في عام 1520، 1521 و 1525.

الفكر السياسي عند ميكيافلي


أعماله

-         كتاب الأمير، وهو الأكثر شهرة، ولكنه ليس الأكثر أهمية من بين أعماله. كتبه بين عام 1513 و1514.
-         خطابات، كتبه بين عامي 1513 و1519. وهو الكتاب النظري الأساسي عند ميكيافيلي.
-         تاريخ فلورنسا كتب بين 1520 و1526. يتحدث عن الفترة من 1251 إلى 1492. ويتحدث فيه عن الأحداث التي حصلت منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب.
-         كتب ميكيافيلي أيضا وبين عامي 1512 و1520 كتابا في غاية الأهمية عن "فن الحرب".

واقعية ميكيافيلي

رفض ميكيافلي كل أوهام المثالية: "بما أنني أحاول كتابة أشياء يمكن الإستفادة منها لمن ينتظرونها، فإنه يظهر لي أكثر إقناعا أن أتبع الحقيقة الواقعية للإشياء وليس كما نتخيلهَا". وبسبب منهجه "الواقعي" اعتبر ميكيافيلي من قبل العديد من الكتاب المعاصرين كأب لعلم السياسة. وربما يكون هذا التصنيف ناتجًا عن كون ميكيافيلي كان أول من فصل الأشياء السياسية عن جميع الأشياء الأخرى، الدين، الأخلاق والإجتماع.


الطبيعة الإنسانية وفق ميكيافيلي

أفكار ميكيافيلي تستند في الكثير منها على التشاؤم، وقد يكون هذا التشاؤم ناتجًا عن عدم الإستقرار وحالة انعدام الأمن ثم العنف الذي عرفته إيطاليا في زمنه. لذلك يرى ميكيافلي أن البشر هم هكذا بطبيعتهم في كل زمان ومكان وهذا شيء من المستحيل تغييره أو إصلاحه: " منافقون، جشعون وشرهون للحصول على الربح" (الأمير، الفصل 17، الصفحة 339). كما يرى أن جميع البشر طغاة، والفرق بين إنسان عادي وطاغية هو أن الثاني  لديه الوسائل بينمَا الأول لا يملكها كي يصبح طاغية ولكنهما متماثلان في الطبيعة.

وبالإضافة إلى ذلك، يرى ميكيافلي أن الفضائل غير موجودَة. وفقط هي الضرورة التي تقود إنسانا ما ليكون جيدًا في بعض الأحيان، وهو لن يكون كذلك أبدًا بشكل عفوي. وإذا اقتنعنا بعكس ذلك سيكون هذا وهمًا خالصًا. ولا يتردد ميكيافيلي في وصف الإنسان بأنه حيوان، أسد أو ثعلب، وفق الظروف. وهنا يقول أننا نستطيع الحكم بالقوانين على ما هو إنساني في الإنسان، وبالقوة على ما هو "خاص بالحيوانات". وعندما لا تكفي القوانين علينا ألا نتردد في استخدام القوة، وعلى الأمير أن يعرف استخدام هذه أو تلك (الأمير، الفصل 18، صفحة 341).


الميكيافيلية / الميكيافلية Machiavélisme

يرى ميكيافلي أنه عندما لا يحدث أي وهم فيما يتعلق بالطبيعة الإنسانية فإن رجل الدولة سيستطيع الحفاظ على الحد الأدنى من النظام الإجتماعي، وبما أنه لا يوجد في المجتمع سوى القوة، المصالح والأنانية، وليس هناك من تواجد لقيم العدالة والأخلاق التي تسمح بإبقاء القيم في حالة تناغم مع المصالح، فإن المشكلة التي على رجل الدولة حلها هي الحفاظ وبشكل مصطنع على التوازن بهدف وضع حدود لتبادل المصالح. و قد ترك (أو تجاهل) ميكيافيلي كل فكرة تهدف لإقامة "العدالة".

ويبدو أن ميكيافلي  في فكره السياسي يفضل ما يدعوه المعاصرون بالبراغماتية. حيث أنه لا يوجد مبادئ أخلاقية أو قانونية يمكن فرضهَا بشكل دائم، فقيادة شؤون الحكم عليها أن تسترشد باعتبارات عملية خالصة، وبقدر تغير الظروف فإن قرارات الحكم يمكنها أن تتغير. "على الأمير أن يكون جاهزا ليدور مع رياح الحظ وتقلبات الأشياء التي يقودهَا" (الأمير، الفصل 18، الصفحات 341،342).

المعيار القاطع، في السياسة، ليس أن تكون جيدا أو شريرا،وليس أيضا أن تكون ضعيفا أو قويا، حيث أن ميكيافيلي يؤكد أن الغاية تبرر الوسيلة، فليس المهم ما يفعله رجل الدولة في مراحل اتخاذ لقرار بل المهم هو نتيجة هذا القرار. إن كل أفكار مكيافلي تتمكرز ضمن هذا المنطق أو النظام. يفضل بالنسبة للحاكم أن يخافه الناس لا أن يحبوه. شيء مثالي أن يكون محبوبا، ولكن إذا وجب الإختيار بين الوسيلتين فالأفضل أن ترجح كفة الخوف. وهذا الإختيار يبرر بسبب الطبيعة العميقة للإنسان (الأمير، الفصل 17، الصفحة 339). بمعنى آخر، الأمير الواعي أو المتيقظ عليه أن يوجد وفق ما يريده هو، وليس وفق ما يريده الآخرون، ومن هنا تأتي أفضلية الخوف كأداة للسلطة (الأمير، ص 341). واقعية مكيافيلي وتفكيره حول استراتيجيات فعالة للتوازن بين القوى الإجتماعية قادته لإعلان الأطروحة التالية: أحيانا ، ومن أجل تهدئة الشعب، على الحكام أن لا يترددوا في تقديم " كبش فداء" بهدف تفريغ غرائز الشعب العدوانية وإيجاد حل لراحتهم ولجميع المواطنين. في الواقع هذا التفكير الميكيافيلي حول التضحية بأحد المواطنين من قبل الدول هو ما يمكن أن نسميه" بجريمة الدولة"، فهو يعطي الشرعية للحكام بتصفية المعارضة من خلال ارتكاب الجرائم، ومن غير تقديم هؤلاء للعدالة، لذلك يدرس الفكر السياسي الميكيافلي عادَة كجزء تابع لمرحلة الحكم الإستبدادي أو المطلق (يمكن مراجعَة الأمير، الفصل 17، ص 338).


ميكيافلي بين الملكية والجمهورية

ساند ميكيافيلي في كتابه "الأمير" وكتاب " خطابات"، الأطروحات الملكية والجمهورية، لدرجة أن العديد من المحللين اعتقدوا أن أطروحاته غير متماسكة. لكن الحقيقة هي أن مسألة النموذج أو شكل الحكم كانت ثانوية بالنسبة له. فقد كان، في البداية، مدفوعا بمسألة الإستقلال الإيطالي، فاهتم بالدولة كمجسدة للإمة ولكن من سيؤسسها ومنسيحكمها؟

في "الأمير" يتحدث ميكيافيلي عن الحل الملكي. ولكن في كتاب "خطابات" يظهر وكأنه جمهوري. في الحالتين، الدولة الميكيافيلية عليها وفي جميع الظروف أن تحكم من غير اعتبارات للقوانين أو الأخلاق. فروح الجمهورية الرومانية التي تم تحليلها في كتاب "خطابات" هي نفسها المملكة الفرنسية والإسبانية، أو بمعنى آخر سلطة سياسية مطلقة. ولكن يمكننا القول أن ميكيافيلي عتقد أن الجمهورية ليست شكلا جيد للحكم في إيطاليا آنذاك، وهي على كل فكرة كانت سائدة بشكل واسع في ذلك العصر. فالدولة يجب أن تكون خاضعة لرجل واحد فقط يظهر قوة لا تعادلها قوة أخرى في الدولة (خطابات، الفصل 9، ص 405). من جهَة أخرى لا يتردد ميكيافلي في القول أن التعددية فيهَا إيجابيات كثيرة، وخاصة التعددية في ظل "جمهورية". فأفضل القوانين في رومَأ كما يقول ، كانت ثمرة التعددية. ولكن على هذه التعددية أن تتماشى مع اختيارات الحكام.

أخيرا وفيمَا يتعلق بميكيافلي، نستطيع القول أن أفكار ميكيافيلي السياسية لاقت إعجابا كبيرا من طرف أنصار الحكم الإستبدادي المطلق في مختلف الدول الأوربية، فالملوك الذين ترددوا في السير خلف شعار "'الغاية تبرر الوسيلة"، وجدوا في كتاباته الوسيلة التي حررتهم من هذا التردد. أما في القرن العشرين فحصلت أفكاره على قوة أكبر عند اليمين المتطرف كما عند اليسار المتطرف. وحتى في القرن التاسع عشر لاقت ترحيبا عند ما يسميهم مؤرخ الأفكار السياسية Philippe Nemo  بأسياد الشك ماركس ونيتشه، إلى منظري التوتاليتارية الذين أخذوا أيضا من   أفكاره. واستخدمه كمرجع كل من الفلاسفة، سوريل، باريطوا، موريس كما كان مشهورا في الأوساط الجامعية الفرنسية كمفكر سياسي كبير وخاصة عند المفكرين القريبين من الماركسية. ونذكر هنا أن المنظر الماركسي الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي اعتبر ان النظرية الميكيافيلية في كتاب "الأمير" هي أول نظرية "للثورة".


المصدر: " مدخل إلى الفكر السياسي الغربي - الجزء الأول"، الدكتور :صلاح علي نيوف.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

أترك تعليقا