أقدم لك الفلسفة



أقدم لك الفلسفة هو الكتاب الثالث من سلسلة "أقدم لك"، وهي سلسلة تحاول التغلب على مشكلة غموض الفلسفة، والتباس أفكارها ومشكلاتها على ذهن القارئ العربي العادي غير المدرب، وهي تعمل على تبسيط الفكر الفلسفي من خلال الصور، الرسوم والأشكال التوضيحية التي تعبر عن الفكرة الفلسفية دون إخلال بمضمونها أو عمقها.

أقدم لك الفلسفة


وقد جاء هذا الكتاب عرضا لتاريخ الفلسفة الغربية بأسرها منذ نشأتها في بلاد اليونان، في القرن السادس قبل الميلاد، عندما طرح فلاسفة ملطية ما يسميه المؤلفان بالسؤال الكبير: من أين جاء العالم؟ ومم يتألف؟ وتتعدد الإجابات ...

ثم يأتي سقراط، والسوفسطائيون، ليتغير مسار الفلسفة من البحث في الكون إلى البحث في مشكلات الإنسان لا سيما في ميداني الأخلاق والسياسة. وتتوالى المذاهب الكبرى: أفلاطون، وأرسطو ... ثم الرواقية والأبيقورية، والفلسفة السكولائية في العصر الوسيط، مع الإشارة إلى دور العرب في الاحتفاظ بالشعلة بعد أن خيم على أوربا ظلام دامس ...



ويواصل المؤلفان حديثهما عن رحلة الفكر في عصر النهضة، والعصر الحديث، إلى عصر التنوير، والفلسفة المعاصرة حتى الحداثة، وما بعد الحداثة ...

ذلك كله في أسلوب مبسط وسهل لكنه شيق وعميق، حتى لنجد المذاهب الكبرى - ديكارت، كانط وهيجل ...-  ملخصة في عبارات موجزة واضحة، تزينها رسوم توضيحية ل تخلو من طرافة. ومن هنا كان الكتاب دعوة إلى القارئ العربي للدخول في هذا العالم الرحب : عالم الفلسفة.





المنهج التجريبي عند الحسن بن الهيثم



استخدم ابن الهيثم المنهج الاستقرائي. يقول وهو بصدد بحث كيفية الإبصار: " نبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، وتمييز خواص الجزئيات، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس. ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، ومع انتقاد المقدمات، والتحفظ في النتائج. ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف ويتجسم بها مواد الشبهات (...)"


جمع ابن الهيثم في هذا القول بين الاستقراء والقياس. وقدم فيه الاستقراء على القياس. وحدد الشرط الأساسي في البحث العلمي الحديث، وهو أن يكون غرض الباحث طلب الحقيقة بدون تأثر برأي أو عاطفة غير ثابتة، بل يعتريها التبديل والتغيير، ولذلك يقرر بأنه يأمل أن يصل إليها. (...)

المنهج التجريبي عند الحسن بن الهيثم


وكان على هذا العالم الذي استخدم المنهج الاستقرائي أن يلجأ إلى القيام بالتجارب، وقد أسمى التجربة بالاعتبار وأسمى من يقوم بالتجربة بالمعتبر. وأطلق على الإثبات بالتجربة: الإثبات بالاعتبار، مقابلا للإثبات بالقياس البرهاني. بل إنه ذهب إلى أبعد من هذا، إنه لا يعتمد على الاعتبار في إثبات القواعد أو القوانين الأساسية فحسب، بل يعتمد على الاعتبار في إثبات القواعد أو القوانين الأساسية فحسب، بل يعتمد عليه أيضا في إثبات النتائج التي تستنبط بالقياس بعد ذلك من تلك القواعد أو القوانين.


المرجع: علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، 1984، ص:346-348.

كارل بوبر: معيار الفصل قابلية التفنيد.



يرتد معيار الفصل الذي ينطوي عليه المنطق الاستقرائي إلى الشرط التالي: ينبغي أن يكون في إمكاننا أن نعرف معرفة نهائية صدق وخطأ عبارات العلم التجريبي بأكملها (أو العبارات ذات المعنى جميعها). ونحن إذ نؤكد بأنه ينبغي أن يكون في إمكاننا أ، نحسم في صدق تلك العبارات أو خطأها حسما فإننا نعني بذلك أنها ينبغي أن تصاغ بصورة تمكننا، منطقيا، من أن نتأكد من حتها بقدر ما تمكننا من أن نتأكد من خطأها.

كارل بوبر قابلية الفنيد


والحال أن ليس في هذا، على ما أعتقد، ما يشبه الاستقرار. بناء على ذلك فمن غير المقبول منطقيا، في نظرنا، استنتاج نظريات انطلاقا من عبارات مفردة "أثبتت التجربة صحتها" (مهما كان معنى ذلك). ليس في إمكان النظريات أن تكون أبدا موضع تمحيص تجريبي. وإذا ما أردنا أن نتفادى الخطأ الوضعي الذي يستبعد، بدعوى استخدام معيارنا في الفصل بين الخطأ والصواب، المنظومات النظرية للعلم الطبيعي، علينا أن نأخذ بمعيار يمكننا من أن نقبل ضمن مجال العلم التجريبي العبارات التي لا يمكننا أن نتأكد من صحتها.


        وبالرغم من ذلك، فإننا نسلم بأن المنظومة لا تكون تجريبية أو علمية، إلا إذا كان في إمكانها أن تخضع لفحوص تجريبية. وفي هذه العبارات ما يومئ إلى أن قابلية التفنيد لا قابلية التحقق، هي التي ينبغي أن تؤخذ معيارا للفصل. وبعبارة أخرى، فنحن لا نتطلب من المنظومة العلمية أن تختار اختيارا نهائيا وتقبل قبولا نهائيا بمعنى إيجابي، وإنما نشترط في صورتها المنطقية أن تكون بحيث تميز، عن طريق فحوص تجريبية، فتقبل قبولا سلبيا، ومعنى ذلك أن المنظومة التي تنتمي إلى العلم التجريبي ينبغي أن يكون في إمكان التجربة أن تفندها.

        (وهكذا فالعبارة: "قد تمطر السماء هنا غدا أو لا تمطر" لن تعتبر عبارة تجريبية، لسبب بسيط وهو أنه لا يمكن تفنيدها، على عكس العبارة التي تقول "ستمطر السماء هنا غدا" التي ستؤخذ على أنها عبارة تجريبية).


        كارل بوبر – منطق الكشف العلمي. 

تصور بيير دوهيم لتقدم المعرفة العلمية.



تقديم :

مما لا شك فيه أنه إذا كانت هناك معرفة تتقدم كما يرى مؤرخو العلم فهذه المعرفية هي المعرفة العلمية : حيث أنها تنتقل من حال الى آخر ومن طور الى طور، فالعلم ميدان معرفي متطور، والتقدم سمة أساسية واضحة فيه، الى حد أنه لا يبقى أي مجال للعقل أن يشك في ذلك. ولكن ما يلفت الانتباه هو أن فكرة التقدم هذه لم تحظى حتى الآن بتعريف دقيق كما يرى ذلك عبد السلام بن ميس في مقال له معنون ب(تباين المواقف حول مفهوم التقدم) والدليل على ذلك هو هذا التعدد والتباين في التصورات التي نقرأ عنها في مجال الابستمولوجيا في عالمنا المعاصر. حيث بهذا يمكن طرح مجموعة من الاسئلة حول هذا التقدم الحاصل في المعرفة العلمية. وهذه الاسئلة هي كالتالي : متى ظهر مفهوم التقدم ؟ و كيف تتقدم المعرفة العلمية حسب دوهيم؟ 

تصور بيير دوهيم لتقدم المعرفة العلمية



حفريات حول تاريخ مفهوم التقدم :


قبل الاجابة عن الاسئلة السالفة الذكر لابد لنا من الوقوف عند مفهوم التقدم والسياقات التي تبلور فيها قبل ان يرتبط بمفهوم العلم. إن مفهوم التقدم له حمولة تاريخية كبيرة، قبل أن يرتبط بمفهوم العلم في القرن 21 خاصة بعد الحرب العالمية الأولى. فهذا المفهوم (التقدم) تبلور في المنتصف الثاني من القرن 17 وكان يرتبط بسياقات معينة غير ما هو كائن الآن في ارتباطه بالعلم. وفي هذا يقول عبد السلام بن ميس في نفس المقال المذكور سالفا " ان فكرة التقدم في الأصل مرتبطة بالتطور الثقافي والاجتماعي وخاصة بميداني الأخلاقيات والروحانيات".


انطلاقا من هذا القول يمكن اعتبار أن مفهوم "التقدم" كان بعيدا في البداية عن العلم، ولم يلتصق به كما سبق الذكر إلا في القرن 21 أي عندما طرحت مجموعة من الأسئلة الإبستمولوجية حول المعرفة العلمية. من بين هده الأسئلة سؤال تقدم المعرفة العلمية نفسه.
فهذا المفهوم ( التقدم) تبلور بكثرة في عصر النهضة : أي بعدما كان هناك سجال وصراع بين دعاة الحداثة، وأنصار التراث، حيث بلغ هذا الجدال أوجه مع الأنواريين في القرن 18. وأصبح هذا المفهوم حاضرا بقوة لأنهم كلهم كانوا يؤمنون أن الأفضل ليس هو الماضي الذي ولى وانقضى وإنما المستقبل الذي لم يأتي بعد. هذه الرؤية التفاؤلية للمستقبل نجد أنه يثوي في طياتها مفهوم التقدم. ولكن للإشارة فمفهوم (التقدم) عندهم كان بشكل مطلق: أي أنه في كل المجالات وليس محصور في مجال محدد كما هو الحال اليوم بالنسبة للمعرفة العلمية. أي ما يسميه الدارسين ( بالتقدم العلمي والتكنولوجي).


أطروحة الاتصال: رؤية حول تقدم المعرفة العلمية.


دأبت بعض الكتابات والبحوث المتقدمة على إبراز ما يرى بعض الدارسين أنه صفة هامة للعلم وهي صفة الاستمرارية والدينامية والتراكم : أي أن مسيرة العلم تظل تطرد وتتسع كمـا و كيـفا على مر الزمان. 
ولعل الدارس وجد تلك السمة فيما كان عليه العلم الأرسطي وما واجهه بعد ذلك من اعتراضات أدت إلى تبني علم جديد، حيث يؤكد كرومبي على أن هناك صلة تشد التطورات العلمية بعضها الى بعض، وفي هذا نجده يشيد بكتابات بيير دوهيم ومن أتى بعده حول طبيعة العلم في العصر الوسيط. هذه الكتابات التي بينت أن الثورة العلمية لم تأتي من العدم وإنما لها جدورها التي ضربت عميقا في العلم إبان العصر الوسيط. أو أنه بمعنى آخر أن الصلة التي بين العلم الأرسطي والاعتراضات التي كانت ضده هي التي يسرت الطريق أمام ظهور العلم الحديث.   


ما قام به بيير دوهيم هو أنه وضع مجموعة من الشواهد تبين للباحث والقارئ كيف يتقدم العلم، بحيث يجعله يتقصى مسيرة التطورات العلمية مند نهاية العصور الكلاسيكية الى القرن 17.  
على الرغم من كل هذا : أي كل ما جاء به دوهيم وتابعوه حول علاقة العلم في العصر الوسيط بالعلم الحديث، فهده المسألة تظل غامضة ويدور حولها جدال ونزاع حادان والسبب هو ( عدم تحديد أسئلة واستفسارات تتعلق بصلب المشكلة)
اذا كان بيير دوهيم يرى ان هناك صلة وثيقة بين العلم في العصر الوسيط والعلم الحديث فهذا يدفعنا الى طرح السؤال الآتي: وهو ما هي الموضوعات والمناهج العلمية التي تتشابه بين العلم في العصر الوسيط والعلم في العصر الحديث ؟   

  

1
ـ من حيث الموضوع : يتشابه العلم في العصر الوسيط بالعلم في العصر الحديث في اهتمام كيلاهما بالطبيعة، لهذا كان يسمى هذا العلم في السابق ب( العلم الطبيعي) وهو مظهر للتفكير العلمي الرفيع والبحث المنظم الذي استغرق زمنا طويلا وتناوبته تطورات عديدة. حيث يرى كرومبي أن له أصول عريقة وأصوله هي العبقرية اليونانية التي أدخلت فكرة اطراد الظواهر إلى أبحاثهم وأكدوا أن نظام الطبيعة نظام أزلي متسق تحكمه قوانين ثابتة يمكن بموجبها تفسير الحوادث الجزئي، حيث كانت نظرياتهم العلمية مقامة على أدلة تجريبية علمية ومرتكزة على مبدأ عدم التناقض.     
اذن العلم حسب كرومبي لا يكون علما الا متى كان أصيلا، ولا يكون أصيلا الا متى كان عريقا متطورا على مر الزمان كحال العلم الحديث في الغرب وانحداره وتطوره عن الاغريق قديما.    


2
ـ من حيث المنهج : سبقت الاشارة الى أن أبحاث علماء الاغريق الطبيعية كانت تقوم على أدلة تجريبية علمية ومرتكزة على مبدأ عدم التناقض، وهذا ان دل على شيء فهو يدل على طبيعة المنهج العلمي وفلسفته الذي أصبح متبعا في الغرب، كما أنه يدل على الجوانب التي يعالجها، وهذه الجوانب هي ثلاثة      :

أـ الجوانب التي تتعلق بالنظام العام للطبيعة وكيفية تفسير الاحداث الجزئية فيه، فعلى سبيل المثال تبحث هذه الجوانب فيما اذا كانت الموجودات الطبيعية تحكمها غائية ويمكن فهمها كيفيا او ان كل الظواهر الطبيعية يمكن اختزالها وارجاعها الى تغيرات كمية في المادة والحركة.
ب ـ الجوانب التي تهتم بدراسة العلاقة بين النظريات من جهة والمعطيات أو الشواهد التي تنطوي تحتها من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال القواعد الاستقرائية.     
ج ـ الجوانب التي تتصل بالوسائل والأجهزة والخطوات العلمية سواء ما كان تجريبيا منها أو رياضيا، مثلا ما كان عليه العلم في القرن 13م وكيف أصبح مع كل من روبرت جروستيست وروجر بيكون، حيث يرى الباحث أن كتابتهما محاولة منظمة لتحديد ما يجب أن يكون عليه العلم الطبيعي إزاء الرياضيات أو الميتافيزيقا أو بقية العلوم والدراسات الأخرى، فقد دأب هذان المفكران ومن تبعهما على اظهار سمة جديدة في العلم تتمثل في أن يكون العلم تجريبيا من جهة ورياضيا من جهة أخرى.
وفي هذا الصدد يقول عبد الله العمر في كتابه ظاهرة العلم الحديث ص252 ( في ضوء ذلك ذهب كرومبي الى أن الكتابات التي تناولت حال العلم الطبيعي والخطوات الاستقرائية التجريبية كما عالجها جروستيست و روجر بيكون ودنزسكوتس وأوكام تشكل مساهمة كبيرة في تاريخ المنهج العلمي وتطوره، لقد أصر أولئك الرواد على أهمية التجربة وعلى خاصية (الاحتمال) التي يتصف بها العلم الطبيعي وعلى اختلاف منهج العلم الطبيعي ونسقه عن نسق الهندسة والرياضة).

 
       
انطلاقا من هذا القول يمكن اعتبار أن المنهج التجريبي لفرانسيس بيكون وجون ستيوارت مل يجد أصله في هذه الأبحاث العلمية التي كانت منتشرة في العصر الوسيط عند هؤلاء العلماء السالفين الذكر، لهذا نرى أن هناك اتصال بين العلم الوسيطي لا على مستوى الموضوعات فحسب بل حتى على مستوى المناهج. والعلم الوسيطي نفسه ينحدر من التصور الأرسطي للطبيعة، ولكن مع كل هذا فقد تطور شيئا فشيئا مع كل من أوكام ونقده المنهجي الذي قام به وأيضا مع الباحثين الرياضين ومحولاتهم التكنيكية للتعبير عن مختلف مستويات التغير على نحو رياضي.    
يستنتج كرومبي في ضوء ما مضى ذكره عن العلم في العصر الوسيط أن كتابات القرن 13 و 14 م هي تصورات حول ماهية العلم الطبيعي وميدانه، تماثل تلك التصورات التي ظهرت في القرن 17م. ولكن هل يعني هذا أنهما وصل الى نفس النتائج ؟ يجيب كرومبي ويقول ان الخلفية الفلسفية تفوق أهميتها بكثير أهمية النتائج العلمية المباشرة التي ظهرت آنذاك نتيجة اعتماد تلك الفلسفة منطلقا للبحث والاستقصاء في العصر الوسيط. كما أن العلم الحديث ليس هو العلم الوسيط من حيث السياقات التاريخية، فالعلم الحديث كان بإمكانه النظر الى الوراء وتقييم الأمور التي سلفت عكس العلم الوسيطي الذي كان له ماضي قريب.


وكذلك ان العلم الحديث ساعدته عملية احياء التراث التي كانت في القرن 16 و 17م، هذه العملية التي أولت اهتماما بالمنهج الذي انتهجه أرخميدس، وأيضا التصور الأفلاطوني الرياضي للطبيعة، وهذه العملية كانت موضع نقاش في العصر الوسيط، حيث أن هذا المنهج ترتبت عليه نتائج مهمة في العلم قرن 17 خاصة مع غاليليو مكتشف نظرية السقوط الحر.
بناء على هذا الاحياء ما كان لكل ذلك التطور الهام في العلم الحديث ومنجزاته أن يتحقق لولا أنه كانت هناك فترة هامة جدا تحسن الاشارة اليها عند دراستنا للظروف التي ساعدت على ظهور العلم الحديث، وهي الفترة التي دار النقاش فيها حول طبيعة المنهج العلمي بدءا من جروستيست وروجر بيكون وانتهاء بجاليليو وفرانسيس بيكون وديكارت ونيوتن.
وفي هذا يقول عبد الله العمر في الكتاب المذكور سالفا ص 258 : (... فالثورة التي رأى كرومبي أنها وقعت إبان القرن 17 لم يكن يكتب لها أن تتم لولا أنه كان هناك التحام بين العلم متمثلا في نتائجه وتقنياته، وبين المنهج الذي اختطه الباحثون وانتهجوه في دراساتهم).

السابقون على غاليليو:

لا يختلف الباحثون حول الاسهامات التي اسهم بها الفلاسفة المدرسين في العصر الوسيط. ولكن ما يتم الاختلاف فيه هو كيف أثرت هذه الاسهامات على العلماء في القرن 16 و17م أي على غاليليو وغيره من العلماء المعاصرين له.       
وفي هذه المسألة يعرض عبدالله العمر قولا لإرنست مودي في "ص 260" يقول فيه ( غالبا ما يرتبط اسم غاليليو بأحداث هامة في تاريخنا الحديث، فنرى اسمه يرتبط مثلا بولادة العلم الحديث، وبالثورة الكوبرنيكية، وبالاطاحة ببعض النظريات الأرسطية التي طغت على العلم قرونا طويلة، ونرى غاليليو يرتبط اسمه كدلك بمبدأ الكفاح ضد أي سلطة تقف في وجه العلم ومسيرته).

 هذا القول يبرز لنا الاهمية والقيمة القصوى التي يحتلها غاليليو في تاريخ العلم عامة والعلم الحديث خاصة، حيث أنه ابتكر ( علم الديناميكا ) هذا العلم الذي اكتمل على يد نيوتن، حيث يذكر ارنست ماخ في كتابه الذي ظهر سنة 1869 حول (علم الديناميكا ) أن غاليليو هو الذي أوجد علم الديناميكا وأظهر لنا أفكارا حول ظاهرة سقوط الاجسام (الحركة المجردة ) ولكن بعد هذا الكتاب ظهر كتاب لليوناردو دافينشي معنون ب (المفكرات ) هذا الكتاب الذي كان من غير تحقيق أو طبع الى حدود النصف الثاني من القرن 19م، حيث أنه يعالج بعض المشاكل في علم الديناميكا مثل تلك التي عالجها في عصر لاحق غاليليو. ليس هذا فقط بل حتى المنهج الذي كان يستعمله فهو شبيه بالمنهج الذي سار عليه غاليليو فيما بعد أيضا.
وهناك أيضا علماء آخرين سابقون على غاليليو كانوا يعالجون نفس المسائل التي كان يعالجها غاليليو، وهذا أوحى الى مؤرخي العلم أن هؤلاء العلماء كانوا ينهلون من منبع واحد حيث ذهب بيير دوهيم الى تقصي منبع هذه الكتابات في العصر الذي كان يعيش فيه دافينشي ببحثه في كل الكتب المطبوعة قديما وتبين له أن كل تلك الاعمال الهامة التي كانت منتشرة آنذاك كتبها الفلاسفة الطبيعيون المدرسيون الذين كانوا يلقون محاضراتهم في جامعتي باريس وأكسفورد إبان القرن 14.


ومن هؤلاء الفلاسفة مثلا ألبرت السكسوني و وليم هايتسبري و توماس برادواردين و جون بوريدان و ريشارد سويزت و نيكولا أوريزم و غيرهم.
فبعد أن درس دوهييم أعمال هؤلاء خلص الى أن أصحاب المدرسة الاسمية كانوا قد أقاموا علما خاصا بالميكانيكا مختلفا عن تصور أرسطو ولكن كان وثيق الصلة بالعلم الذي أقامه غاليليو والمعاصرون له فيما بعد، حيث ذهب الى عمق الموضوع واعتبر أن حركة القدائف وعجلة الجاذبية كما تناولها غاليليو في دراساته لفكرة القوة ومبدأ القصور الذاتي، إنما تناولها مفكر من قبله من باريس ابان القرن 14 وهو جون بوريدان هذا المفكر الذي انتقلت افكاره الى غاليليو عن طريق ألبرت السكسوني تلميد بوريدان، ولكن دون أن ننسى أن غاليليو قد صاغها في قالب رياضي غير الكيفية التي كانت عليها، ولكن هذه الكيفية الرياضية التي أضيفت الى أعمال بوريدان من طرف غاليليو فإن مصدرها فعل آخر وهو أوريزم الذي كان يعيش في الفترة نفسها التي كان فيها بوريدان.
فالأمر كما يتصوره دوهيم اذن هو انتقال أفكار علمية من السلف الى الخلف، السلف هم المدرسين في القرن 14 أما الخلف فهما غاليليو ومعاصروه.    


وفي هذا السياق ينقل عبد الله العمر قولا لدوهيم " ص 263" يقول فيه : ( إنه عندما نقيم النصر الذي أحرزه علم غاليليو على أفكار المشائين فإننا لجهلنا بحقيقة تاريخ الفكر ومساره، نظن بأن المسألة لا تزيد على انتصار علم جديد ظهر حديثا على فلسفة عقيمة ظهرت في العصر الوسيط. لكن الواقع على أية حال هو أننا نشهد نصرا لعلم بدأ في باريس في القرن 14 وظلت مسيرته تحقق نجاحات على مر الزمن حتى اكتمل له النصر على نظريات أرسطو وابن رشد في القرن 17م على يد غاليليو ومعاصروه).

الانتقادات التي وجهت الى بيير دوهيم:  


اذا كان بيير دوهيم صاحب أطروحة الاتصال في العلم، يعتبر أن فعل ظهور العلم الحديث أمر عادي فهو استمرارية طبيعية لما كان موضع نقاش في القرون الوسطى وخاصة مع المدرسين، فإن هناك من اعترض عليه رافضا هذا الطرح، ومن بين من اعترضوا عليه نجد مثلا مودي الذي ينفي أنه كان هناك علم ميكانيكا في القرن 14 عكس ما ادعى دوهيم ودليله في هذا أنه يعتبر أن آنذاك لم تكن نظرية عامة للحركة المحلية يمكن تطبيقا على الطبيعة بأسرها وتكون مقامة على بضعة مبادئ متسقة ومتماسكة. مع ذلك فهو لا ينكر أنه كانت هناك كتابات للمفكرين المدرسين تتحدث عن علم الميكانيكا ولكن هذه الكتابات كانت متناثرة وغير مجتمعة حيث يقول أنها لو أجتمعت كانت ستشكل علما كاملا كذلك الذي ظهر في القرن 17. ولكن ذلك ظل حلما حسب مودي و يبقى الواقع حقيقة على أية حال. فما ظهر ذلك العلم المنشود الذي ظنه دوهيم ممكنا ولا حل علم جديد في الميكانيكا محل العلم الأرسطي. غير أن الأمر أضحى مختلفا حين جاء القرن السابع عشر وذلك لأن غاليليو ونيوتن كانا قد تمكنا من جمع الأفكار المبعثرة ولملمة القطع المتناثرة على نحو أظهر لنا علما جديدا وراسخا في الميكانيكا يحل محل العلم الأرسطي القديم. ومن هنا كما يقول مودي استحق غاليليو لقب المؤسس الحقيقي لعلم الديناميكا الحديث. نعم إن الأفكار التي قال بها غاليليو لم يكن قد جلبها من العدم، إلا أنه جاءنا بعلم جديد لم يكن رجال القرن الرابع عشر قادرين عليه فكان أن نجح هو من حيث هم فشلوا. وبهذا المعنى أيضا لم يكن لعلمه مثيل عند السابقين عليه. 


خاتمة :


انطلاقا مما سبق يمكن استخلاص أن العملية التي تتقدم بها المعرفة العلمية هي : انها تتقدم بشكل خطي مسترسل، أي أنه يعني أن فعل ظهور العلم الحديث فعل عادي ولا يشكل أي شيء خارق للعادة أو أنه علم خارق للعادة بلغة كون. هذا لأن هذا العلم يجد أصله في النقاشات التي كانت تثار في العصر الوسيط مع الفلاسفة المدرسين الذين تبنوا العلم الأرسطي وسارو به في منحى ينحو نحو التطور كما هو الحال بالنسبة للعلم الحديث مع العلم الوسيطي. وتبقى هذه هي أطروحة كل من كرومبي و بيير دوهيم اللذان استشهد عليها بمجموعة من الشواهد العلمية تجعل الباحث يتقصى هذه السيرورة التي يسير بها العلم، وخاصة عندما انطلقوا من أن العلاقة التي تجمع بين العلم الحديث والعلم في العصر الوسيط تكمن في أن كلاهما يبحث في نفس المواضيع والاشكاليات مثلا طبيعة المنهج الذي يجب استخدامه في مقاربة الظواهر الطبيعية. هل يجب أن يكون هذا المنهج تجريبيا أو رياضيا أو يجمع بينهما أم يكون رياضيا أحيانا وتجريبيا أحيانا على حسب مقاربة الظواهر المدروسة ؟ وكذلك من حيث الموضوع فإن العلم الحديث يلتقي والعلم الوسيطي كما يرى ذلك دوهيم في دراسة نفس الموضوع الذي هو الطبيعة.


المراجع :

ظاهرة العلم الحديث : دراسة تحليلية نقدية، عبد الله العمر، صادرة عن سلسلة عالم المعرفة 1978.
مقال : تباين المواقف حول مفهوم التقدم، عبد السلام بن ميس.   


الكاتب : أيوب الدياني