كانط : حياته وشخصيته


قضى إمانويل كانط (1724 – 1804) حياته بأسرها في المدينة الريفية كونجسبورج في بروسيا الشرقية، أو بالقرب منها، وكان يسكنها آنذاك حوالي خمسين ألفا. وعرف أن والده كان صانعا لسروج الخيل في ظروف متواضعة، وعملت أخواته قبل الزواج في الأعمال المنزلية، أما أخوه الأكبر فقد التحق بالجامعة وأصبح قسيسا من أتباع لوثر. وماتت والدته عندما كان في سن الثانية عشرة، ومات والده عندما كان في سن الحادية والعشرين. وكان أبوه من أنصار طائفة "التقويين" pietists  المتشددين، ويحتمل أن يكونا قد غرسا فيه رؤية دينية ورعة وجادة، لكنها ضيقة.

كان كانط تلميذا بارعا متألقا في الجامعة، وبعد أن تخرج في الجامعة أعال نفسه لبضع سنوات بأن عمل مربيا خصوصيا في أسر الأعيان التي كانت تعيش في منطقة مجاورة للمدينة. ثم عاد إلى الجامعة عام 1755، وعمل مدرسا خاصا بها. ولم يرق إلى درجة الأستاذية إلا في عام 1770، ويبدو أنه أثناء هذه السنوات الخمس عشرة حمل عبئا تدريسيا ثقيلا، فكان يقوم بتدريس ست وعشرين محاضرة أو أكثر في كل أسبوع، لم يُدَرس فيها الفروع المختلفة للفلسفة فحسب، بل كان يدرس فيها ايضا الرياضيات، والفيزياء، والأنتروبولوجيا، والتربية، وموادًا أخرى. وقد يكون ذلك من أسباب تأخر تطوره كمفكر أصيل، على الرغم من أنه وجد وقتا لأن ينشر مقالات عديدة تشرف أي مدرس جامعي عادي. وبعد أن أصبح أستاذا في عام 1770، استطاع أن يكرس وقتا أكثر لعمل مبدع، على الرغم من أنه لا يزال يعطي ساعات أكثر للتعليم. وفي النهاية، في عام 1781، عندما كان في سن السابعة والخمسين، استطاع أن ينشر " نقد العقل الخالص"، كتابه الأول ذا الأهمية العالمية.

كانط حياته وشخصيته


ويقع تطور كانط الفكر في ثلاث مراحل. كان في المرحلة الأولى من هذه المراحل، مثل معظم الفلاسفة الألمان في عصره، فيلسوفا عقليا، تحت تأثير "ليبنتز" و"فولف" إلى حد ما، واعتقد أنه من الممكن أن نص إلى حقائق بعيدة عن طريق التفكير العقلي المستقل عن البراهين التجريبية. ومع ذلك، تظهر مقالاته - حتى في تلك السنوات – علامات الأصالة وعدم الرضا عن المذهب العقلي.

وتبدأ مرحلته الثانية تقريبا في عام 1765، التي تأثر فيها إلى حد ما بالفلاسفة التجريبيين البريطانيين. فقد أيقظته "مقالات" هيوم و"أبحاثه" من سباته الدوغماطيقي. وقادته إلى أن يستنتج أن كل المعرفة تبدأ بالتجربة، وأن الحقيقة القصوى الخارجية للأشياء في ذاتها التي توجد وراء إحساساتنا لا يمكن معرفتها عن طريق العقل. ومن المحتمل أن يكون، من ناحية أخرى، قد قرأ "المقالات الجديدة" لليبنتز بعد نشرها في عام 1765، ومن الممكن أن يكون ذلك قد عزز لديه الاعتقاد بأنه على الرغم من عدم وجود أفكار فطرية، إن شئنا أ، نتحدث بصورة حرفية، فإن للذهن قدرات أصلية تحدد شكل تجاربه. وأصبح، أثناء تلك المرحلة، مقتنعا بأن فكر هيوم، لو كورناه إلى نتائجه المنطقية، لوجنا أنه يتضمن بالفعل أنه ليست كل المبادئ في الفيزياء فحسب، بل حتى تلك المبادئ في الرياضيات أيضا، هي تعميمات محتملة تقوم على الملاحظات. ونحن نعتقد أنها ضرورية بسبب العادة وتداعي الأفكار. ولا يمكن لكانط أن يقبل نتائج متطرفة كهذه، فمبادئ هندسة أقليدس، وفيزياء نيوتن، التي كان كانط يدرسها غالبا، بدت له معرفة مبرهن عليها بصورة مطلقة وليست مجرد تعميمات محتملة. ولذلك أصبحت مشكلته هي: كيف يمكن التوفيق بين اليقين المطلق للرياضيات والفيزياء والحقيقة التي تقول بأن كل معرفتنا تبدأ من التجربة؟

ويبدو أن كانط عرف - أثناء مرحلته الثانية، في مجال الأخلاق – كثير من فكر فلاسفة الأخلاق البريطانيين، وبخاصة شافتسيري، وهاتشيسون، وهيوم، كما ساتطاع أن يصل إلى معرفة فكرهم باللغة الألمانية. وعندما انجذب في البداية إلى المذهب التجريبي الأخلاقي، لم يستطع أن يكتشف فيه مبادئ يمكن الاعتماد عليها بصورة مطلقة مثل مبادئ الرياضيات، ووجد نفسه عاجزا عن أن يقبل تلك المبادئ الذاتية والتي لا يمكن الوثوق بها بوصفها أساسا للأخلاق، مثل الحاسة الخلقية، والتعاطف، واللذة، والمنفعة. وعندما سلم بقدر محدود جدا من الحقيقة لمنازعات فلاسفة الأخلاق البريطانيين، انتهى إلى أن المبادئ الأساسية للأخلاق تقومن بحق، في العقل، ظل بعد ذلك فيلسوفا عقليا صارما في الأخلاق. وأصبح كانط، أثناء تلك المرحلة، أو بعد ذلك، قارئا متحمسا لروسو، الذي يدين لتأثيره تعاطفه مع عامة الناس، واحترامه لحق كل إنسان في أن يعامل بوصفه غاية في ذاته، وتفضيله للجمهورية الديموقراطية على نظام الحكومة الملكية.


ويعتقد أن مرحلته الثالثة أو الأخيرة التي تسمى في الغالب، "المرحلة النقدية"، التي تكون وحدها ذات أهمية عالمية، لم تبدأ إلا بعد عام 1770 بفترة طويلة، العام الذي ألقى فيه "بحثه الإفتتاحي" في بداية واجباته كأستاذ، وفي عام 1781 تطور في ذهنه، بالتدريج، موقفه النهائي، وهو التأليف بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي، الذي أطلق عليه اسم "الفلسفة النقدية". ويبين كتاب "نقد العقل الخالص" (1781) كيف تكون المعرفة الفعلية ممكنة، في رأي كانط، في الرياضيات، والفيزياء والميتافيزيقا. ويبين كتاب "نقد العقل العملي"(1788) بصورة عقلية ما ينبغي علينا أن نفعله في مجال الأخلاق، وما قد نأمله في الدين بوصفه مسألة من مسائل الإيمان. أما كتاب "نقد ملكة الحكم" (1790) فيتضمن آراء كانط في الإستيطيقا والبيولوجيا، وبحثا في نظائر الإيمان بعالم روحي تقدمه الطبيعة، والفن، والحياة العضوية. وهذه الكتب الثلاثة التي تحمل عنوان "نقد" هي أكثر كتب كانط أهمية. ويلقى كتاب " مقدمة لكل ميتافيزيقا يمكن أن تصير علما" (1783)، في بعض النواحي، ضوءا على الأفكار الأساسية لكتاب "نقد العقل الخالص"، في حين أن كتاب "المبادئ الأساسية لميتافيزيقا الأخلاق " (1785) هو مدخل جيد لفلسفته الأخلاقية. وغير تلك الكتب، يعد المقال القصير والمضيء عن "السلام الدائم" (1795) العمل الذي يهم بصورة أكثر احتمالا القارئ العام.

ويمكن أن نلخص الوقائع الخاصة بحياة كانط التي تخلو من الأحداث المهمة بصورة نسبية وتلقي ضوءا على روح فلسفته في الآتي:

1-    إعطاء التدريب المبكر الذي تلقاه في المنزل اهتماما مستمرا بالدين. على الرغم من أنه كره في السنوات الأخيرة الذهاب إلى الكنيسة، وأصبح غير مكترث بمعتقدات لاههوتية كثيرة، فإنه استمر في الإهتمام بالمشكلات الأساسية للدين التي يمكن للفيلسوف أن يلقي عليها ضوءً وهي المشكلات التي تخص الله، والحرية، والخلود.
2-   ثلاثة عوامل مرتبطة أعطته إحساسا شديدا بالواجب، وجعلته يشعر بأن الإلزام الخلقي ثابت ومطلق. وأول هذه العوامل، تربيته الصارمة في المنزل عندما كان صغيرا. وثانيهما تركيبه الجسماني الضعيف، الذي أدى به إلى مراعاة نظام صارم للتغذية، وممارسة الرياضة، والتنزه، ونتيجة لذلك تمتع بصحة جيدة بصورة معقولة، حتى أنه استطاع أن يواصل الكتابة حتى السنوات الأخيرة من حياته الطويلة، غير أنها تضمنت ضبطا صارما للنفس. أما العامل الثالث فهو مناخ النظام العسكري الذي تدرب فيه الموظفون المدنيون (وكان أستاذ الجامعة في واقع الأمر، موظفا مدنيا) في بروسيا في عهد فردريك الأكبر وأتباعه.
3-  حبه الكبير للدقة الصورية في كل شؤون الحياة، وإعجاب كانط بالتفكير الدقيق في الرياضيات والفزياء، واعتقاده أن المبادئ الكلية والضرورية واليقينية بصورة مطلقة هي وحدها التي تستحق أن ننظر إليها على أنها المعرفة العلمية. وهو لم يقدر، على الإطلاق، العلوم الإستقرائية. ومع ذل، فقد كان أمينًا للغاية في قدرته على إنكار أن هجمات لوك وهيوم المدمرة جعلت عقلانية القرن السابع عشر والثامن عشر لا يمكن الدفاع عنها. وكان لابد له من تشييد أسس عقلانية جديدة كان يأمل أنه لا يمكن مهاجمتها.

وكان كانط محبوبا بوجه عام كمدرس، وجامعي، ومواطن. وقد كان له أصدقاء كثيرون من سان ونجسبرغ من مكانات مختلفة في المجتمع. وان اجتماعيا ولين الجانب في شباب، وبالتالي كان مدرسا يثير طلابه ويصر على أن لا يأخذوا أي مذهب من مذاهب الفلسفة بوصفه مسلما به، لكن يجب عليهم أن يفكروا بأنفسهم – وكان ذلك موقفا واسع الأفق لم يكن مألوفا في بروسيا في ذلك الوقت – لكنه كان أقل تسامحًا بعد أن تطورت فلسفته، وقدمها للعالم، وأصبح ذائع الصيت ومسناً. وقد توقع أن يقتنع الجميع بصدق فلسفته الخاصة، ومال إلى النظر إلى أولئك الذين فشلوا في أن يفعلوا ذلك على أنهم عنيدون وأغبياء. ومع ذلك، فقد ظل إنسانا مهذبا، ودودًا، دمث الأخلاق، يدعو طلابه وأصدقاء آخرين لتناول العشاء، ويستمتع بقضاء ساعتين أو ثلاث ساعات بعد ذلك في حديث عام، وكان يعرف كيف يجعله مسليا. واستمر في أن يكون شخصا محترما من حيث إنه باحث جاد، وأمين، ومخلص، ذو قوة بارزة وحكمة عظيمة. وكان الناس في كونجسبرج فخورين به بوصفه أعظم فلاسفة العصر.

وعلى حين أن كتاب كانط "نقد العقل الخالص" كثيرا ما ينظر إليه على أنه أكثر الأبحاث التي كتبت في العصور الحديثة عمقا وبراعة في موضوعات فلسفية، فقد كان هناك اتفاق عام على أنه واحد من أكثر الكتب غموضا وصعوبة في الفلسفة، وليس له جدارة أدبية على الإطلاق. وقد كانت كتابات كانط المبكرة واضحة بقدر معقول، وتحتوي على قليل من العبارات البلاغية. فلماذا كتب كانط هذا الكتاب "نقد العقل الخالص" بصورة سيئة، ولماذا لم تكن كتاباته المتأخرة أفضل كثيرا؟ وربما كان التفسير الأساسي هو أنه شعر في عام 1780 أنه يقترب من الشيخوخة، بينما كان لديه في نفس الوقت الكثير مما يريد تقديمه للعالم. فكان لابد أن يقدمه مكتوبا كله ومنشورا في أسرع وقت ممكن. ولذلك وضع باستعجال الملاحظات الكثيرة التي قام بتجميعها منذ عام 1770، دون أن يقوم بمراجعتها بدقة لكي يجعل اللغة والفكر متسقين. لقد كانت هناك قلة من الفلاسفة الذين كتبوا بالألمانية، وفي حالات كثيرة لم يكن هناك سابقون يرشدونه في اختيار الكلمات واستعمالها. وعلاوة على ذلك، فقد قدم كانط فلسفة جديدة، وكان مضطرا إلى استعمال كلمات بمعاني جديدة، وكان مجبرا في بعض الأحيان على أن يستخدم الكلمة نفسها لتعبر عن معاني مختلفة لا يستطيع القارئ أن يميزها إلا من السياق. ومع ذلك فقد كرس الشراح أنفسهم لتفسير كتب كانط النقدية، منذ عصره. وتم التوصل الآن إلى اتفاق عام فيما يتعلق بالخطوط الأساسية لفلسفته، والعناصر التي تهم المبتدئ بصورة كبيرة. فاستقر الرأي على أن فكره منذ عام 1781 فصاعدا قد تغير قليلا فيما يتعلق بالمسائل الجوهرية. ولا يزال هناك خلاف حول التأكيد النسبي الذي كان يريد وضعه على جوانب مختلفة من مذهبه، وعلى تفصيلات أخرى هي بالنسبة للمبتدئ ذات نتيجة أقل شأنا، بغض النظر عن أهميتها بالنسبة للمتخصصين. (وهناك، بالتأكيد، اختلافات واسعة في الرأي بين الفلاسفة المثاليين، والفلاسفة الواقعيين، وفلاسفة آخرين من عصرنا بالنسبة إلى أي مدى كان كانط محقا أو مخطئا في مواقفه المتعددة، غير أن هذه مسألة أخرى). إن أي قارئ جاد يريد أن يدرس كانط بتأن وبمساعدة الشراح، سوف لا يجد صعوبة في فهم الفحوى العام لفلسفته. وسوف بنال الجزاء الذي يناله من يجلس في بيته مع واحد من عقول العصور البارعة.



شوبنهاور والسعادة



ارتبط إسم آرثر شوبنهاور (1788-1860) بالتشاؤم. وقد كان فعلا فيلسوفا متشائمَا فمحيطه الأسري لم يفتح له أبواب السعادة، فاثنان من أعمامه قد حبسا في مصحات عقلية، وأبوه ، رغم أن أعماله كانت ناجحة، كان مكتئبا وحينما توفي سنة 1806 بسبب سقوطه من العلية، ظل السؤال مطروحا حول موته، هل كان انتحارا أم مجرد حادث؟

أما والدته، جووَانا شوبنهاور، والتي كانت روائية ناجحة، فقد كانت لامبالية اتجاه ابناءها وتعاملهم ببرودة، ولا أدل على ذلك أنها، خلال أحد الخلافات الأسرية، انتصرت لعشيقها على حساب ابنها، ولم يرها بعد ذلك أبدا. أما أخته آديل فقد كانت ضحية للقلق والإكتئاب حتى انتهى بها المطاف إلى الإنتحار سنة 1849.


أمّا على المستوى المهني فقد عرف آرثر الكثير من الإحباطات والفشل، وحتى حينما عين أستاذا محاضرا في الجامعة كان الطلبة يهجرون دروسه لحضور حصص، خصمه، هيجل. وحتى أشهر كتبه "العالم كإرادة وتصور" (1818) فلم ينتبه له أحد بعد نشره. وأخيرا فقد ترك الجامعة مقتنعا أن زملاءه قد اتحدوا ضد.


"الحياة تتأرجح، كبندول ساعة، بين اليسار واليمين، من المعاناة إلى الضجر".

قضى شوبنهاور، الغامض، المشاكس والمتشائم حياته يتحمل مرارة العيش ويجتر صراعه مع معاصريه. ومع ذلك فقد عثر في مذكراته الشخصية، بعد موته طبعًا، على كُتَيب في طور الإنجاز حول "فنّ أن تكون سعِيدًا!

شوبنهاور والسعادة


يقدم شوبنهاور في دفاتره " 50 قاعدة " يفترض أنها ستساعدنَا على جعل الحياة أقل ألمًا، حيث أن شوبنهاور يرى أنه لا يمكن الإمساك بالسعادة إلا على نحو سلبي من خلال غياب الألم والمعاناة، فلا وجود للسعادة المطلقة وهو لا يتأخر في إقرار ذلك حيث يؤكد منذ القاعدة الأولى " نأتي للحياة وكلنا رغبة في تحصيل السعادة والمتعة، ويتملكنا أمل مجنون في بلوغهما، حتى ينزل علينا القدر بثقله دون إنذار وتأتي التجربة لتعلمنا أن السعادة والمتعة المنشودتان ليستا سوى وهم خالص".

إذا كانت الحياة مجرد معاناة، ألم وإحباطات فالهدف الوحيد الذي يبدو معقولا الذي يمكن للحكيم أن ينشده ليس السعي وراء سعادة زائفة، بل عليه أن يحسن إدارة حياته بحيث يتجنب المعاناة التي لا فائدة ترجى منها. وبالتالي فالقواعد التي يوردها شوبنهاور تهدف إلى تحمل المعاناة والتقليل من الألم.  وهكذا فالقاعدة الثانية هي نصيحة بتجنب الغيرة !

" لن تكون أبدا سعيدًا ما دمتَ تعَذب من طرف من هو أسعد "، وبالمثل لا يجب أن نسعى لإثارة غيرة الآخرين منا. القاعدة الثالثة تؤكد أنه لا يجب أن نبتعد عن ميولاتنا ورغباتنا الطبيعية، "كما أن الأسماك لا تكون بخير إلا في الماء والطيور في الجو...فكل إنسان لا يكون بخير إلا في مناخ يلائمه". فلا جدوى من مقاومة طبيعتنا الخاصة من أجل تحقيق بعض الخير، البعض يفضل الوحدة، والبعض الآخر يفضل ضجيج الساحات، البعض يفضل التجربة والبعض الآخر يفضل التأمل. من غير المجدي أن نسير ضد طبيعتنا.


من بين القواعد الأخرى التي قدمها شوبنهاور، نذكر القاعدة السادسة " أن نفعل ما نستطيع فعله برحابة صدر، ونتقبل الألم أيضا برحابة صدر عندما يتوجب ذلك"، أو القاعدة الثامنة " قلل دائرة علاقاتك، هكذا ستقلل الألم أيضا" أو القاعدة الثامنة والأربعون "السعادة ملك لمن يكتفون بذواتهم".

يقدم شوبنهاور مجموعة من الحكم القديمة: تلك التي قدمها أرسطو، سينيكا، ماركوس أوريليوس، أبيقور ...وما نستفيده عموما من هذه القواعد هو أنه يجب على المرء أن يكتفي بما لديه، تجاهل الرغبات غير المجدية/المفيدة، الاستمتاع بملذات الحياة البسيطة ...

وقد كان للبوذية ايضا تأثير على شوبنهاور، " في سن 19، تأثرت بشدة بالشقاء الذي يعم الحياة والذي أثر على بوذا خلال شبابه، عندما اكتشف المرض، الشيخوخة، المعاناة والموت". الحقائق النبيلة في البوذية تؤكد أن الحياة معاناة، وأن أصل المعاناة هو الرغبات غير المتحققة وبالتالي للتخلص من المعاناة يجب التخلص من الرغبات.




هذه نسخة فرنسية من كتاب شوبنهاور " فن أن تكون سعيدا" ،  L'art dêtre heureux à travers 50 règles de vie الذي تحدثنا عنه في المنشور السابق، للأسف لم أجد له أثرًا باللغة العربية ... وهو كتاب مهم يلقي الضوء على جانب من فلسفة شوبنهاور العملية التي تم تجاهلها بفعل تأثير تشاؤمه الميتافيزيقي، فكيف نبحث عن نصائح للسعادة لدى فيلسوف التشاؤم؟ ومع ذلك فالتشاؤم الميتافيزيقي لا يمنع تقصي سبل للتخفيف من وطأة المعاناة وتحصيل سعادة نسبية إن لم تكن مطلقة
.



:لمن يجيد الفرنسية ويرغب في تحميل الكتاب 
تحميل فن أن تكون سعيدا









نيتشه : كتب له وكتب عنه


نيتشه واحد من أكثر الفلاسفة تأثيرا في العالم الحديث، فرغم أنه قدم من خارج الفلسفة، من مبحث الفيلولوجيا، إلا أنه قد أحدث تغيير كبيرا في تاريخ الفلسفة، حيث أحدث انقلابا ضد ما كان سائدًا من مفاهيم (العقل، الأنسان، الحقيقة، التاريخ والديموقراطية ...) لقد عمل على نقد هذه المفاهيم نقدًا حادًا معتمدًا منهج الجينيالوجيا، وذلك بالغوص إلى جذور هذه المفاهيم وأصولها الأولى.

كتب نيتشه وكتب عنه


لقد خلف نيتشه الكثير من الكتب التي لا تزال تحتل مكانة مهمة في الفكر الفلسفي المعاصر ومن أهمها : "هكذا تكلم زرادشت"، "أفول الأوثان"، "الفجر"،"أصل الأخلاق وفصلها" ..

وفي هذا الموضوع أضع بين أيديكم مجموعتي كتب الأولى مجموعة كتب لنيتشه والثانية باقة من الكتب التي كتب عنه وعن فكره لمن يحب التعرف على فلسفة نيتشه بشكل أكثر عمقًا.


المجموعة الأولى : كتُب لنيتشِـه :

الفَلسفة في العَصر المأسَاوي الإغريقي، سهيل القش.
موْلد التراجِيديا، شاهر حسَن عبيد.
انسَان مفرِط في إنْسانيتِه I ، محمد النّاجي.
مَا ورَاء الخير و الشّر، موسى وهبة.
أفول الأصْنام ، بُورقيبة و النّاجي.
غسق الأوثَان، علي مِصباح.
 -عَدو المسِيح، جورج مِيخائيل ديب.
نقيضُ المسيح، علي مِصباح.
أصْل الأخلَاق و فَصلها، حسَن قبيسي.
العلْم الجذَل، سعَاد حرب.
هكَذا تكلّم زرادشت، فليكْس فارِس.
-  الفجْر، محمّد النّاجي.
-  إرادة القوّة، محمد النّاجي. (وإن كان البعض يرفض نسبتهَا إلى نيتشه).
رابط التحميل :
 كتب نيتشه

 

المجموعة الثانية: كتب عَن نيتــشِه

المهْماز - أسالِيب نيتشه -، جاك ديريدَا.
 -نيتشه، عَبد الرّحمـان بَدوي.
 نيتشـه مفَـتَّتاً، بيير بُورديو.
 فلسَفة القيّم نماذج نيتْشويّة، نبؤيل عبد اللّطيف.
محَاولة جديدَة لقراءة فريدريك نيتشه، صفاء عبْد السّلام علي جعفر.
نيتشــه ، جِيل دولُـوز.
نيتشه و جذُور مابعد الحَداثة، أحمد عبْد الحليم عطيّة.
نيتشه مكافحًا ضدّ عصره، رودُولف شتاينر.
الإرَادة و التّـأويل- تغلغل النّيتشوية فِي الفكر العَربي، جمال مَفرح
 قرَاءة نيتشه للفلسفَة اليونانيّة، مذكرة لنيل الماجستير،
أعداد الطّالب عبد الكرِيم عنيات، إشرَاف الدكتور جمَال مفرح.
نيتشه بلُغـة وَاضحَة (فرنسية).
Nietzsche En Langage Clair, Daniel Martin

رابط التحميل :
 كتب عن نيتشه

نيتشَه: جينيالوجيا الأخلاق

الفيلسوف الذي ألف "ما وراء الخير والشر" سنة 1886 رجل مريض، تخلى بسبب اكتئابه وصحته الآخذة في الإنهيار عن مساره المهني بعد أن درس الفيلولوجيا لمدة عشر سنوات، وهو رجل وحيد، ففي عمر الثانية والأربعين سنة لا يزال يعيش بعيدا عن أفراد أسرته وأحبابه، وهو بالإضافة إلى ذلك رجل غاضب ومتوتر، غاضب من صديقه ومثله الأسمى الموسيقي فاغنر، ومن بول ري وكذا لو أندرياس سالومي (شابة روسية في بلغت العقدين، جميلة، ذكية، حرة، كان واقعا في حبها): كانوا قد كوّنُوا فيما بينهم "ناديًا فلسفيا" وقد عاشوا معًا، ولكن انتهى بهم المطاف إلى الاختلاف، هذا وقد كان نيتشه منزعجا من أخته أيضا (التي ستعتني به، مع ذلك، عندما يصير مجنونا سنوات بعد ذلك). وتماما كشوبنهاور 'أستاذه الكبير' كما كان يقول، فقد كان نيتشه منزعجا من تلك الفترة المنحطة التي سيطرت عليها الأخلاق المسيحية، وعلت فيها قيم المساواة (الديموقراطيون والإشتراكيون) التي تقتل المكانة الحقيقية للإنسان، مكانة الأبطال وماوراء الإنسان، التي تتميز بإرادة القوة.

نيتشه : جينيالوجيا الأخلاق

نشر الأستاذ الشاب خلال السنوات السابقة سلسلة كتب بلغة راقية : ميلاد التراجيديا 1872، إنسان مفرط في إنسانيته (1878) ، الفجر (1881)، العلم المرح (1882)، هكذا تكلم زرادشت (1885)... مؤلفات غريبة تتميز بأسلوب الشذرة، تجمع بين الشعر والإعترافات الشخصية.
كثيرا ما يقال أنه لا يوجد انسجام في كتابات نيتشه، وأنه كثيرا ما يناقض نفسه ولكن مع القراءة تظهر بعض الخيوط الناظمة التي توحد فكره.


من البطولة الإغريقية إلى أخلاق الإنحطاط المسيحية

كان نيتشَه، الذي بدأ مسيرته كمختص في الفيلولوجيا واحتك بالنصوص الكلاسيكية للأدب اليوناني، يحِن لتلكَ الحقبة. فنيتشه يرى أن التاريخ الإنساني ينقسم لحقبتين، حقبة قديمة تتميز بالمجد، وأخرى حديثة تتميز بالإنحطاط. نيتشه معجب جدا بالفترة اليونانية، فترة الأبطال المحاربين كأشيل (أخيل) و يوليسيس. الأولى حقبة ديونيزيوس، إله الخمر اليوناني، إله الاحتفال والمسرح والتراجيديا. بالنسبة لنيتشه، ديونيزيوس قوة خلاقة ورمز للحياة.

آلهة اليونان (آلهة الأولمب) شخصيات تحتفي بالحب ( إيروس)، الحرب، القوة، وحتى الثمالة (ديونيزيوس)، ولكن هذه الآلهة التي تمجد الحياة استبدلت بالإله المسيحي، إله حزين ومتزمت، يكره الملذات، ويجرم المتعة، وينبذها لصالح نوع من الزهد والتطهر. بالنسبة لنيتشه هذا ظهور المسيحية، التي جلبت هذا الأله، كانت بداية لعصر الإنحطاط. فأخلاقها تَخنُق الأرادة، الرغبة، المتعة، وهي أخلاق النفوس الضعيفة التي تخشى مواجهة الحياة وغير القادرة على تحقيق ما تريد، أخلاق تصبح فيها عدم القدرة على الانتقام تسامحا، والعبودية طاعة، وعدم القدرة على إشباع الرغبة الجنسية طهارة. إن الحياة، قوة، حركية، خلق وإرادة القوة ولكنها أيضا فوضى، تدمير، موت وولادة جديدة في "العود الأبدي" لقوى الحياة والموت. من المحتمل أن هذا التصور للحياة مستوحى من نظرية داروين الذي كان نيتشه معجبا به.

لقد وضع نيتشه الكل في كفة واحدة، فلسفة أفلاطون أو أرسطو المثالية، اليهودية، المسيحية، الأشتراكية، الديموقراطية، الميتافيزيقا ...، الكل يعتمد قيم كونية ومجردة (كالعقل، الخير، الحق، العدالة، النظام)، هذه "القيم العليا" تشترك في أنها تنكر الحياة الحقيقية، التي ليست سوى تعطش للقوة، وإنكار للرغبات والدوافع.


يعتقد نيتشَه أنه يمكن إعادة إحياء القيم الحيوية التي تم إخمادها من طرف الأخلاق اليهود-مسيحية، ويرى في موسيقى فاغنر ونغماتها البطولية، إعلانا عن العودة إلى فترة المجد، ولهذا كان قد أهداه كتابه الأول "ميلاد التراجيدا".

نزع القدسية عن الأخلاق

على المستوى السيكولوجي، تشكل كل من الحيوية اليونانية والأخلاق المسيحية عنصرين متضادين من الطبيعة البشرية، الأول يحيلنا على الغرائز والرغبات، على الطفولة وديناميتها ، على الحب، على الرغبة في الاكتشاف والمغامرة، على القوى الحيوية التي تكمن فينا والتي لا تطلب سوى أن نسمح لها بالتعبير عن ذاتها. هذه الغرائز الحيوية هي التي تغذي "إرادة القوة" والتي تعبر عن ذاتها من خلال طموح البطل، الرجل الاستثنائي، المغامر، المحارب، المستكشف، "الإنسان الأعلى". وعلى العكس فالأخلاق، كما هي شائعة، تحثنا على أن نكون عُقلاء، منضبطين، متواضعين وخاضعين.

هذه الأخلاق، بالنسبة لنيتشه، ملجأ الضعفاء، العبيد والأشخاص العاديين. هؤلاء محكومون بخوفهم من الموت، بروح الخضوع ووعيهم الزائف. وهذا ما يحاول نيتشه أن يبينه في هذه الكتب التي ألفها خلال عامين: ما وراء الخير والشر (1886) وجينالوجيا الأخلاق [أصل الأخلاق وفصلها] (1887).

"ما وراء الخير والشر" كتاب غامض، مكون من فقرات طويلة لا يظهر عليها نظام معين، تتخلها شذرات قصيرة وحوارات. وقد بدأه نيتشه بالنيل من الفلاسفة ودوغمائيتهم. الهدف الأول من هذا الكتاب هو نزع القدسية عن الأخلاق. فالأخلاق ليس سوى نسيج من المفاهيم المجردة حول الخير والشر التي تحجب الحقيقة، فالحقيقة أن الأخلاق لا تملك ماهية متعالية (بمعنى أنها ليست صادرة عن أي كيان متعالٍ). لا يوجد فيها أي شيء مطلق أو خالص: فأصلها يكمن في الغرائز والرغبات... ولنجذ جذورها يجب أن نبحث بجوار الرغبات الأقل نبلا.

هذه النظرة إلى القوى الحيوية الغريزية المحجوبة من طرف الأخلاق ستأثر على فرويد، حيث يمكن أن نقرأ عن التضاد بين الرغبات اللاواعية و الأنا الأعلى، الذي يشتمل على الأخلاق، المكلف على إخماد نيران الرغبة.

تتكرر نفس الأفكار في جينيالوجيا الأخلاق، حيث يقدمه نيتشه كتتمة وشرح لما وراء الخير والشر، الذي كان بدوره يهدف إلى توضيح ما جاء في "هكذا تكلم زرادشت" والذي لم يفهمه أحد حقيقةً... وذلك لأن نيتشه يكتب بتلقائية، معبرا عن شغفه، غضبه، سخريته وروحه، وأفكاره لن تكون أبدا معروضة بصورة منظمة وواضحة فالكتابات الساخرة غالبا ما تطغى على العرض المنهجي.

المنهج المعتمد من طرف نيتشه هو المنهج الجينيالوجي وقد نحت عبارة جينيالوجيا الأخلاق للدلالة على أن ما قام به هو التنقيب عن الأصول التاريخية والنفسية للأخلاق للكشف عن الأوهام والخرافات التي تغلفها. وبالنسبة لنيتشه فهناك نموذجان تاريخيان للأخلاق: أخلاق السادة وأخلاق العبيد. تزدهر الأولى في المجتمعات الأرستقراطية حيث تتمحور الأخلاق حول قيم الشرف، النبل، الكبرياء ...والتمييز بين الخير والشر هو تمييز بين النبيل والحقير.


وعلى العكس فأخلاق العبيد تسعى لحماية الضعفاء، قيمها هي التسامح، التواضع، الكرم، المساعدة ... والمسيحية تشجع أخلاق العبيد وتعمل على تحطيم سيطرة الأقوياء. والغريب أن هذه الأخلاق، أخلاق العبيد، التي أصبحت مسيطرة، ومن هنا هذا الاستنتاج المستفز: بالنسبة لنيتشَه الأخلاق ليست سلاح الأقوياء لإخضاع الضعفاء وإنما، على العكس، هي الحيلة الكبرى التي ابتكرها الضعفاء لترويض الأقوياء. الأخلاق إجمالا هي ما اخترعته الجموع لتحمي نفسها من أسيادها.